الأربعاء, 20 آب 2014    |     الرئيسية    اتصل بنا
زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > بحوث و دراسات > اللاهوت والعقيدة > سر القربان المقدس والمدخل إلى طقس القداس الإلهي حسب عقيدة كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية وطقسها البيعي المقدس
سر القربان المقدس والمدخل إلى طقس القداس الإلهي حسب عقيدة كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية وطقسها البيعي المقدس
بقلم قداسة البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص

أولاً: القربـان المقدس
مهّد الرب يسوع لتأسيس سر القربان المقدس وهيأ عقول تلاميذه لقبول هذه العقيدة السمحة، في معرض كلامه عن الخبز السماوي أي المن الذي أعطاه الآب السماوي لشعب العهد القديم بوساطة النبي موسى، بعد أن اجترح معجزة إشباع خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأطفال بتكثير الخمسة أرغفة شعير والسمكتين وأمر رسله ليجمعوا الكسر التي فضلت فجمعوها فملأت اثنتي عشرة قفة (يو 6: 1ـ 13) ومع كل ذلك تحدّاه اليهود بقولهم له:«أيّة آية تصنع لنرى ونؤمن بك ماذا تعمل. آباؤنا أكلوا المن في البرية كما هو مكتوب أنه أعطاهم خبزاً من السماء»(يو 6: 30و 31).

كانت تعاليم اليهود قد ذكرت أن المسيح المنتظر عندما يأتي سيطعم الشعب خبزاً من السماء كما فعل موسى، لذلك سأل اليهود الرب يسوع اجتراح هذه الآية فوضّح لهم الرب أن الذي أعطى الخبز السماوي أي المن لِشعب النظام القديم في البرية ليس موسى بل الآب السماوي. ثم أكّد لهم الرب الحقيقة الإلهية بقوله:«أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد والخبز الذي أنا أعطيه هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم»(يو 6: 51) ومن المفيد أن نذكر في هذا المجال أن المسيح يسوع قد ولد في الجسد في بلدة بيت لحم أفراثا ولفظة لحم بالسريانية تعني الخبز لأنه هو الخبز الحي الذي أعطانا إيّاه الآب السماوي وأنه عُجن بالآلام وخُبز في نار الجلجلة وأُعطي لنا طعاماً روحياً لا يفنى لنأكل جسده ونشرب دمه الأقدسين، لنتغذى به وننمو بالنعمة ولنثبت فيه ويثبت فينا إذ نغدوَ أعضاء أحياء في جسده السّري أي الكنيسة المقدسة وأخيراً لنستحق أن نرث معه الحياة الأبدية.

عندما أعلن الرب يسوع لأول مرة حقيقة سر أكل جسده المقدس وشرب دمه الأقدس «خاصم اليهود بعضهم بعضاً قائلين: كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل فقال لهم يسوع: الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم، من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حيٌّ بالآب فمن يأكلني فهو يحيا فيَّ، هذا هو الخبز الذي نزل من السماء ليس كما أكل آباؤكم المنّ وماتوا. من يأكل من هذا الخبزفإنه يحيا إلى الأبد قال هذا في المجمع وهو يعلم في كفرناحوم» (يو 6: 52- 59) فقال كثير من تلاميذه إذ سمعوا: إن هذا الكلام صعبٌ من يقدر أن يسمعه (يو 6: 60) من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه (يو 6: 66).

تأسيس سر القربان المقدس:
يسرد الإنجيل المقدس وقائع الحدث العظيم الذي جرى ليلة آلام الفادي في العلية حيث أكل مع تلاميذه الفصح اليهودي، وغسل أقدامهم. ثم أسّس سر القربان المقدس أي الذبيحة غير الدموية التي رمزت إليها ذبيحة ملكيصادق ملك شاليم أي ملك السلام الذي كان يقدم للّه الخبز والخمر قرباناً بخلاف الكهنة السابقين الذين سبقوا موسى والذين عاصروه، والكهنة من نسل هرون الذين جاءوا بعد موسى الذين كانوا يقدمون الذبائح الحيوانية واستمرّت هذه الذبائح حتى زمن تقديم الرب يسوع ذاته ذبيحة كفارية عن البشر كافة التي وفقت بين عدل اللّه ورحمته وبررت البشرية من الخطية الجدية وقدّست المؤمنين بيسوع المسيح مخلص العالم وجعلتهم أولاداً للّه بالنعمة وورثة لملكوته السماوي فلم تبقَ حاجة من ثمَّ إلى تقديم ذبيحة دموية أخرى بل لم تبقَ قوّة للذبائح الحيوانية لأن قوتها كانت رمزية إذ كانت تشير إلى ذبيحة المسيح الكفارية وتستمد قوتها برمزها إلى ذبيحة الصليب وقد ختم الرب الذبائح الحيوانية الدموية بأكل خروف الفصح اليهودي مع تلاميذه ليلة آلامه وأبطل تقديم الذبائح الحيوانية والمحرقات وبقية ممارسة رسوم الشريعة الطقسية الموسوية للعهد القديم ورسم ذبيحة العهد الجديد، وقبل أن يسلّم ذاته بيد صالبيه بإرادته رسم سر القربان المقدس الذبيحة غير الدموية التي تستمد قوتها من ذبيحته الإلهية بآلامه وموته على الصليب فداء للبشر. فبعد أن رسم سر جسده ودمه الأقدسين أمر تلاميذه أن يمارسوا هذا السر المقدس بقوله لهم:«اصنعوا هذا لذكري» (لو 22: 19) أي ذكرى آلامه وموته وبذله ذاته لأجلنا. وبذلك فوّض إليهم سلطان القيام بطقس القداس الإلهي.

ويصف الرسول متى ذلك الحدث المقدس بقوله: «وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسّر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا» (مت 26: 26و27و28). «اصنعوا هذا لذكري»(لو 22: 19) وبناء على هذا السلطان مارس الرسل تقديم الذبيحة الإلهية غير الدموية. فالرسول بولس يقول لأهل كورنثوس: «لأنني تسلّمت من الرب ما سلّمتكم أيضاً أن الرب يسوع في الليلة التي أُسْلِم فيها أخذ خبزاً وشكر فكسر وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم اصنعوا هذا لذكري، كذلك الكأس أيضاً بعدما تعشوا قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء»(1كو 11: 23 ـ 27).

الاستعداد لتناول القربان المقدس:
يحرّض الرسول بولس المؤمنين على الاستعداد الروحي قبل التقدم إلى تناول القربان المقدس فيقول: «إذاً أي من أكل هذا الخبز أو شرب كأس الرب بدون استحقاق يكون مجرماً في جسد الرب ودمه ولكن ليمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميّز جسد الرب» (1كو 11: 27 ـ 29) فعلى المؤمنين أن يميزوا جسد الرب ودمه وأن يعرفوا جيداً أنهما شركة المؤمنين بالمسيح وبالكنيسة وببعضهم بعضاً ويشرح الرسول بولس ذلك بقوله: «كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح. الخبز الذي نكسره اليس هو شركة جسد المسيح» (1كو 10: 16). هكذا تسلّمنا من الرسل والآباء القديسين بأننا بالإيمان نتناول جسد المسيح ودمه تحت أعراض الخبز والخمر بعد تقديسهما وليس ذلك مَجازاً ولا رمزاً بل حقيقة واضحة وعقيدة سمحة.

لذلك فقبل أن يتقدم المؤمن لتناول القربان المقدس عليه أن يقدم التوبة النصوح والندامة التامة والتصميم على عدم العودة إلى الخطايا معترفاً بخطاياه اعترافاً قانونياً أمام الكاهن الشرعي وأن يؤمن بأن القربان المقدس هو سر جسد المسيح ودمه الأقدسان فيتقدّم لتناولهما بإيمان واحترام ونقاوة الضمير وأن ينقّي جسده ليكون طاهراً ومتمسّكاً بالصوم القرباني فإذا كان التناول صباحاً فبدء الصوم القرباني يكون من الساعة الثانية عشرة نصف الليل ويسمح للمرضى الذين عليهم أن يتناولوا أدوية صباحاً أن يصوموا فقط ثلاث ساعات قبل البدء بالقداس الإلهي. وإذا أُقيم القداس الإلهي بعد الظهر يسمح للجميع الصوم ثلاث ساعات فقط قبل البدء به. أما بعد التناول فيجب على المؤمن أن يقدم الشكر للّه الذي أنعم عليه بهذه النعمة العظيمة. ويجتهد في سبيل الثبات على حالة النعمة بالمسيح ليثبت فيه المسيح وليستحق أن يرث مع المسيح الحياة الأبدية إتماماً لوعده الإلهي القائل: «إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان و تشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم، من يأكل جسدي و يشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير»(يو 6: 53و54) فبناء على كلام الرب نحن نؤمن بأن القربان المقدس سرّ إلهيّ يحوي حقيقة جسد المسيح ودمه وإن هذه الذبيحة غير الدموية هي حقيقية استغفارية تقدّم من أجل جميع المؤمنين الأحياء منهم والأموات ويجب على كل مسيحي أن يتناول جسد المسيح ودمه كليهما معاً تحت شكلي الخبز والخمر.

استحالة الخبز والخمر إلى جسد الرب يسوع ودمه الأقدسين:
بحسب عقيدة كنيستنا إن تقديس عنصري الخبز والخمر واستحالتهما إلى جسد المسيح ودمه في القداس الإلهي يتمّان ويكمّلان بصلاة دعوة الروح القدس وليس بمجرد الألفاظ السيدية التي إنما يتلوها الكاهن المقرِّب بنوع الإخبار وعليه أن يتلوها بخشوع ومخافة اللّه ورهبة، وهو يتأمل بمعناها وبالتضحية العظيمة التي قدّمها الرب يسوع حيث قد بذل ذاته على الصليب لفداء البشرية، والروح القدس هو الذي يقوم بتقديس جميع أسرار الكنائس كما يقدّس الكنائس والمذابح. وبعد أن يقدّس الروح القدس الخبز والخمر نتناول جسد المسيح ودمه تحت شكلي الخبز الخمر. إن مادة سرّ القربان المقدس هي الخبز والخمر ويكون الخبز مختمراً مصنوعاً من القمح الذي يدعوه الكتاب المقدس خبزاً، ولا نقدم فطيراً. كما نقدم الخمر الحمراء المعتقة المصنوعة من عصير الكرمة ممزوجة بالماء. ذلك أن الرب يسوع عندما سلّم تلاميذه هذا السر المقدس قال: «خذوا كلوا هذا هو جسدي» (مت 26: 26) وأما الكأس الحاوية الخمر الحمراء المعتقة فناولهم إياها وأمرهم التناول من الشكلين قائلاً: «اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي» (مت 26: 27و28). وقال «كلكم» لأن بعض تلاميذ الرب يسوع كانوا سابقاً من تلاميذ يوحنا المعمدان الذين نذروا ألاّ يشربوا الخمر طيلة أيام حياتهم. ولكن تلك الخمر الحقيقية التي قدّمها لهم الرب يسوع كانت قد تحوّلت إلى دمه الأقدس، وقد آمن التلاميذ بذلك وتناولوا دم المسيح تحت شكل الخمر، كما أنهم سلّموا بعدئذ المؤمنين سر القربان المقدس أي جسد المسيح ودمه (1كو 10: 16 و11: 27) تحت شكلي الخبز والخمر. فلا يجوز أن يمنع المؤمنون من شرب الخمر المحوّل إلى دم الرب يسوع المسيح بعد تقديسه ولا يجوز أن يكتفوا بتناول الخبز المقدس المحوّل إلى جسد المسيح فقط، أي تناول الشكل الواحد دون الآخر. وقد اعتادت كنيستنا منذ أمد بعيد أن تغمس الجسد بالدم وتناول المؤمنين وبذلك يكونون قد تناولوا الجسد والدم معاً.

مناولة الأطفال القربان المقدس:
كما اعتدنا أيضاً منذ فجر المسيحية أن نناول الأطفال سر القربان المقدس بعد نيلهم سرّي المعمودية والميرون المقدس مباشرة، للموجبات التي تدفعنا لعمادهم ومسحهم بالميرون المقدس وهم أطفال. فالرب يسوع قد قال: «دعوا الأطفال يأتون إليَّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات» (مت 19: 14) وإن تناول القربان المقدس ضروري للخلاص بموجب وعيد الرب الرهيب القائل:«إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم»(يو 6: 53) فقد أخطأ من منع الأولاد من المناولة بادعاء أنهم لا يدركون قوة الأسرار، فالأولاد لا يدركون قوة سر المعمودية أيضاً فكيف نعمدهم. وكان شعب نظام العهد القديم بموجب أمر اللّه لهم يختنون أطفالهم في اليوم الثامن وطبعاً لم يكن الأطفال يدركون معنى الختان الذي كان علامة عهد أقيم بين اللّه تعالى والآباء الأولين ابراهيم واسحق ويعقوب ونسلهم، ثم بين اللّه تعالى وشعب موسى. وإنّ سرّ العماد المقدس في المسيحية حلّ محل الختان لذلك فالرسول بولس يقول: «إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئاً» (غلا 5: 2)، فالرب يسوع الذي قال:«من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدن»(مر 16: 16) قال أيضاً:«من لا يأكل جسد ابن الإنسان ويشرب دمه ليس له حياة فيه»(يو 6: 53) فتناول القربان المقدس إذن ضروري للخلاص للأطفان كما هو ضروري للخلاص للكبار.

مفاعيل سر القربان المقدس:
ينعم الرب الإله على الذين يتنالون سر القربان المقدس بإيمان، بمواهب سماوية منها:
1 ـ الثبات في المسيح والاتحاد به والنمو في النعمة حسب قول الرب:«من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه»(يو 6: 56).
2 ـ الاتحاد بعضنا ببعض «فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد» (1كو 10: 17).
3 ـ يمنحنا هذا السر أيضاً عربون الحياة الأبدية والقيامة المجيدة كقوله له المجد: «من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير» (يو 6: 54) «من يأكل من هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد» (يو 6: 58). وإن الكنيسة تحرم الهراطقة والمعتوهين والمجرمين غير التائبين من تناول القربان لأنه علامة شركة مع المسيح والشهداء والقديسين والمؤمنين الصالحين فهل يعقل أن نختار بملء إرادتنا أن نحصى مع الهالكين بعدم تناوله!؟ في حال أن القربان المقدس يقدّم لنا مجاناً على مذابح الرب!؟.
فعلينا أن نبادر بالتناول من هذا السر المقدس لننال النعم السماوية قبل فوات الأوان.

ثـانـيـاً: طـقـــس الـقـــداس الإلــــهــي
فيما يأتي نشرح بأسلوب سهل وباختصار مراحل طقس القداس الإلهي ووقائعه بحسب ليتورجية مار يعقوب أخي الرب التي تستعملها كنيستنا المقدسة كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية بنصها السرياني الأصيل، ولفائدة القارئ الكريم نوضّح بإيجاز ما يجب توضيحه منها ونغضّ النظر عما لا نرى ضرورة تفسيره في هذا البحث.
تعتبر ليتورجية مار يعقوب أخي الرب أقدم كتب طقس القداس الإلهي وما تزال محتفظة بأصولها القديمة منذ أن وضعها القديس مار يعقوب أخو الرب الذي كان أول من احتفل بالقداس الإلهي من بين الرسل وقد قام بذلك باللغة السريانية الآرامية على مثال ما رأى الرب يسوع يفعله ليلة آلامه وفاه بذات الكلمات المقدسة التي قالها له المجد عندما سلّم سرّ القربان المقدس إلى تلاميذه الأطهار. وقد أضيف على ليتورجية مار يعقوب مع تمادي الزمن، صلوات وطلبات ولكنها احتفظت بأقسامها الرئيسة الأصلية بدون تغيير. وقد نقّحها مار يعقوب الرهاوي (+708) واختصرها المفريان ابن العبري (1286+) وعرّبها البطريرك العلامة مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم (1975+) وقد وضع الآباء عبر الدهور نوافير عديدة بلغت خمساً وثمانين نسبت كل واحدة منها إلى أحد الرسل أو الآباء الأقدمين. وفرضت الكنيسة على الكاهن أن يستعمل كتاب ليتورجية مار يعقوب أخي الرب أثناء احتفاله بالقداس الإلهي للمرة الأولى بعد رسامته كاهناً وفي كل قداس يحتفل به لأول مرة على مذبح إحدى كنائسنا وفي الأعياد السيدية وعلى أحبار الكنيسة أن يستعملوها في طقس الرسامات الكهنوتية وتقديس البيع والمذابح والطبليثات والميرون المقدس ومسحة المرضى. ولأهميتها اعتمدناها ببحثنا هذا بنصها السرياني وترجمتها العربية.

إن القداس الإلهي هو الذبيحة غير الدموية الحسية والمنظورة التي رسمها الرب يسوع ليلة آلامه، وهي امتداد لذبيحة الصليب الكفارية، وتمنح المؤمنين استحقاقاتها غير المنظورة وغير الحسية وهي ذكرى تعيد بالصورة ذاتها العشاء الرباني المقدس يوم أكل الرب يسوع مع تلاميذه أولاً الفصح الذي أوصى اللّه موسى بأن يقدّمه شعب العهد القديم كل سنة ليذكروا أن الرب أعتقهم من عبودية مصر وبعد ذلك، أخذ يسوع بيديه خبزاً وبارك وكسر وأعطاهم قائلاً: «خذوا كلوا هذا هو جسدي» ثم أخذ كأس الخمر وبارك وأعطاهم قائلاً: «اشربوا منها كلكم إن هذا هو دمي» وأوصى تلاميذه قائلاً: «اصنعوا هذا لذكري» فإتماماً لوصيته هذه لهم ولنا، نذكر موته الكفاري عنا وعن البشرية جمعاء كلما احتفلنا بالقداس الإلهي. ففي ذبيحة الصليب قدّم الرب يسوع ذاته بإرادته قرباناً لأبيه السماوي كفارة عن خطايانا، فعُذّب من أعدائه، وصُلب ومات وقام في اليوم الثالث ممجداً وأقامنا معه وبذلك أعتقنا من أعدائنا الثلاثة الموت والخطية والشيطان، ومنحنا الغلبة عليها، ومحا صك الخطية الأبوية، وبرّرنا وقدّسنا وأعاد إلينا نعمة البنوة لأبيه فصرنا مولودين من السماء أولاداً للّه الآب بالنعمة وورثة لملكوته السماوي، كما أمرنا أن نحتفل بالذبيحة غير الدموية وأن نذكر تضحيته في سبيل خلاصنا كما كان اللّه تعالى في العهد القديم قد أمر موسى أن يوصي بني اسرائيل أن يأكلوا خروف الفصح ويذكروا تحرير الرب إياهم من عبودية مصر. وكان الرب يسوع في ذبيحة الصليب الكاهن والذبيحة الكفارية في آن واحد. وكذلك في القداس الإلهي الذبيحة غير الدموية، فالمسيح يسوع هو «الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق» (مز 110: 4، عب 5: 6) يقدّم ذاته ذبيحة على يد أحد كهنته الشرعيين، خادم سر القربان المقدس بطريقة سرية، وتمثّل هذه الذبيحة غير الدموية موت الرب يسوع على الصليب وفيها يعلن المؤمنون المشاركون بها مع الكاهن مقرّبها، إيمانهم بالمسيح يسوع الإله المتجسّد مخلّص العالم، وقبولهم نعمة الفداء الذي أكمله على الصليب، كما يعلنون إيمانهم بسر القربان المقدس الذي منحنا إياه الرب يسوع ليلة آلامه فنتناوله لننال الحياة في المسيح وننمو فيه ونثبت على إيماننا به، وأخيراً لنستحق أن نرث معه الحياة الأبدية. لذلك فتناول القربان المقدس ضروري للخلاص بحسب تعاليم ربنا يسوع، وقد رسمت الكنيسة المقدسة في طقوسها أن أسرار الكنيسة السبعة لا تكمل إلاّ بتناول القربان المقدس. لذلك يدعى القداس «جميروة جميإوةا» أي كمال الكمالات.

ويثبت التقليد الرسولي أن رسل الرب الأطهار وتلاميذه الأبرار وسائر المؤمنين والمؤمنات به، في اليوم التالي لحلول الروح القدس عليهم في العلية يوم الخمسين عمّد الرسل بعضهم بعضاً كما عمّدوا بقية المؤمنين بالرب يسوع حتى أن العذراء مريم القديسة والدة الإله نالت سر العماد على يد الرسل الأطهار في ذلك اليوم إتماماً لوصية الرب يسوع: «من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدَنْ»(مر 16: 6). وفي اليوم الثاني بعد العنصرة احتفلوا بالقداس الإلهي إتماماً لوصية الرب يسوع لرسله القديسين ليلة آلامه بعد أن سلّمهم سر جسده ودمه الأقدسين، قائلاً لهم: «اصنعوا هذا لذكري» (لو 22: 19) ولا بد أنهم شكروا الرب على هذه النعمة بل أيضاً كسّروا الخبز بالطريقة ذاتها التي كان الرب يسوع قد اتّبعها عندما سلّمهم هذا السر العظيم. ونستدل من حادثة مرافقة الرب يسوع تلميذي عمواس يوم قيامته إلى قريتهما عمواس، وجلوسه معهما على المائدة دون أن يعرفاه أنه الرب يسوع، وعندما كسّر الخبز انفتحت أعينهما وعرفاه، إنه كان للرب طريقته الخاصة بتكسير الخبز، وربما كان يكسّره على شكل صليب أو شبه المصلوب الطريقة التي تسلّمناها من آبائنا السريان الذين تسلّموها من الرسل الأطهار الذين بدورهم قد تسلّموا ذلك من الرب يسوع، ونتبع هذه الطريقة أثناء تقديمنا الذبيحة الإلهية في كنائسنا حتى اليوم. وبهذا الصدد يقول الرسول بولس: «لأنني تسلّمت من الرب ما سلّمتكم أيضاً أن الرب يسوع في الليلة التي أُسْلِم فيها أخذ خبزاً وشكر فكسر وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم اصنعوا هذا لذكري. كذلك الكأس أيضاً بعدما تعشوا قائلا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء» (1كو 11: 23 ـ 26).

ونستدل من سفر أعمال الرسل وبقية أسفار العهد الجديد أن أتباع الرب يسوع كانوا يواظبون على الصلاة وقراءة تعاليم الرسل وكسر الخبز (أع 2: 42) أي كانوا يحتفلون بما دعي بعدئذ بطقس القداس الإلهي، وبهذا الصدد يقول البشير لوقا في سفر أعمال الرسل «وفي أول الأسبوع (أي يوم الأحد) إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزاً» (أع 20: 7). كما يعلّمنا التقليد الكنسي أن أول من قام من الرسل بالاحتفال بالقداس الإلهي هو القديس مار يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم، وقد قام بذلك باللغة السريانية الآرامية لغة سكان تلك البلاد في ذلك العصر، واللغة الوحيدة التي خاطب بها الرب يسوع الناس في تدبيره الإلهي بالجسد على أرضنا هذه في نشر بشارته الإلهية وبها رسم سرّ العشاء الرباني ليلة آلامه في العلية. وقد سجّل كتبة الإنجيل المقدس تلك الحادثة ودوّنوا ذات الكلمات الإلهية التي فاه بها الرب يسوع حينذاك وما يزال كهنتنا في جميع أنحاء العالم، عند احتفالهم بالقداس الإلهي يتلون باللغة السريانية ذات العبارات والألفاظ التي فاه بها الرب يسوع له المجد عندما سلّم إلى تلاميذه سرّ جسده ودمه الأقدسين في العلية ليلة آلامه، ولا يسمح لهم تلاوتها بلغة أخرى، ولئن سمح لهم أن يتلوا بقية عبارات القداس الإلهي باللغات المحلية.

ولا بد من أن مار يعقوب أخا الرب أولاً، وبقية الرسل بعدئذ، عندما كانوا يحتفلون بالقداس الإلهي كانوا يبدؤونه كما أجمعت على ممارسته الكنائس الرسولية منذ فجر المسيحية وحتى اليوم، بصلوات طلب المغفرة من اللّه ومسامحة بعضهم بعضاً طبقاً لوصية الرب يسوع القائل: «فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكّرت أن لأخيك شيئاً عليك فاترك هناك قربانك قدّام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدّم قربانك» (مت 5: 23و24) ويتلون الكلمات التي فاه بها الرب يسوع أثناء تقديمه سرّ جسده ودمه الأقدسين إلى تلاميذه ودوّنها الإنجيل المقدس. ثم يتلون الصلاة الربية التي علّمها الرب لتلاميذه وأخيراً بعد تناول القربان المقدس كانوا يقدّمون صلوات شكر للّه على نعمه العظيمة التي لا يعبّر عنها، وهذا هو أساس مراحل القداس الإلهي المستعملة في جميع الكنائس المسيحية الرسولية التقليدية على اختلاف اللغات والحضارات والطقوس.

ولم يكن يحقّ إلاّ للأسقف وحده أن يحتفل بالقداس الإلهي. ويذكر التاريخ الكنسي أن الكهنة كانوا يحتاطون به ويشاركونه الصلوات أثناء ذلك ويخدمه الشمامسة. كما يجوز عندنا للكهنة أن يقوموا مقام الشمامسة في خدمة القداس الإلهي. وكان من يقوم بالاحتفال بطقس القداس يتلو عباراته على ظهر قلب، ولم تدوّن رتبة القداس قبل أواخر القرن الثاني أو حتى أوائل القرن الثالث للميلاد بسبب ما كانت تعانيه الكنيسة من الاضطهادات. وقد جرى عبر الأجيال اللاحقة التالية تعديلات على بعض أقسام القداس الإلهي دون المساس في أصولها وجوهرها وأسسها التي ما تزال محفوظة في طقوس الكنائس الرسولية التقليدية على مختلف لغاتها وحضاراتها. وإن كنيستنا كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية ما تزال تستعمل ليتورجية مار يعقوب أخي الرب وتعتبرها أقدم ليتورجية في العالم، كما صنّف آباؤنا السريان الأرثوذكس عشرات الليتورجيات وكلها تسير على نسق ليتورجية مار يعقوب أخي الرب التي نظمت وتطوّرت وزيد عليها وألحق بها وحذف منها أدعية لا تمسّ البتة بجوهرها وأصولها. ولم يبقَ من مخطوطات النص السرياني الأصلي لهذه الليتورجية سوى وريقات مبعثرة خُطَّت في القرن الثامن أو التاسع للميلاد وموجودة في المتحف البريطاني.

ولا بدّ لنا في هذا المقام أن ننوه أن لفظة ليتورجية اليونانية التي استعملناها في بحثنا هذا، تعني أنافورا التي تعني رفع القربان أي تقريبه إلى الآب الأزلي. أما بالسريانية فتدعى قوربنا أو قوربا (قوربونو) أو (قوروبو) أي القربان أو التقدمة. ويوجه المحتفل بالقداس الإلهي الصلوات والأدعية كافة إلى اللّه الآب ما خلا التحايا كقوله للمؤمنين «السلام لجميعكم» ومباركة الشعب كقوله «محبة اللّه الآب» و «لتكن مراحم اللّه العظيم» وما عدا انتداب الشعب ليرفعوا عقولهم وأفكارهم وقلوبهم إلى فوق حيث المسيح جالس عن يمين اللّه الآب، وما عدا صلاة الشكر قبل صرف المؤمنين إلى دورهم في ختام القداس الإلهي.

مراحل طقس القداس الإلهي
أولاً: الرتبة الاستعدادية: وتشمل الخدمة الأولى وهي:
تهيئة الخبز والخمر ـ مادة سر القربان المقدس.
بعد أن يتلو الكاهن الذي سيحتفل بالقداس الإلهي الصلاة الفرضية مساء ليلة القداس وفي الصباح، ومن جملتها التسبحة الملائكية التي أنشأها باليونانية القديس مار أثناسيوس الاسكندري (373+) ونقلها إلى السريانية مار بولس مطران الرها (619+) والتي تبدأ بالآية المقدسة: «المجد للّه في الأعالي وعلىالأرض السلام وللناس رجاء الخير». يبسط الكاهن يديه ويتلو سراً صلاة الابتداء مستهلاً ذلك بتمجيد اللّه تعالى قائلاً: «المجد للآب والابن والروح القدس وعلينا نحن الضعفاء والخطاة الرحمة والحنان» ثم يبسط يديه ويتلو صلاة يبدؤها بقوله: «أهلنا اللهم... » ثم يقبل الإنجيل المقدس، ويلتفت إلى الحاضرين مشيراً بيديه إلى صدره طالباً منهم المسامحة قائلاً: «يا إخوتي وأحبائي صلوا لأجلي» ثم يطلب المسامحة من كل واحد من الكهنة الموجودين قائلاً: «بارخمور (بارك يا سيدي) أطلب منك أن تسامحني» ويقبل يمين البطريرك إن وجد، ويمين المطران إن وجد، ويرجع ويقف أمام الإنجيل المقدس تالياً المزمور الحادي والخمسين الذي يبدأ بعبارة: «ارحمني يا اللّه حسب رحمتك حسب كثرة رأفتك امحُ معاصيَّ اغسلني كثيراً من إثمي ومن خطيتي طهرني... قلباً نقياً اخلق فيَّ يا اللّه وروحاً مستقيماً جدد في داخلي. لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني...» ثم يدخل الكاهن من الباب الأوسط الذي يدعى أيضاً (الباب الملوكي) إلى الهيكل الذي في وسطه المذبح وهو يصلّي سراً قائلاً: «آتي إلى مذبح اللّه وإلى اللّه الذي يبهج حياتي» ثم يسدل الشماس ستار الهيكل، ويحني الكاهن هامته أمام المذبح وهو يقول: «آةا لوة مدبحؤ دءلؤا... آتي إلى مذبح اللّه وإلى اللّه الذي يُبهج حياتي»، ويكمل القول قائلاً: «اللّهم قد دخلت بيتك وسجدت أمام منبرك، أيها الملك السماوي اغفر لي كل ما أخطأت به إليك». ثم يدور حول المذبح مقبلاً أربع زواياه وهو يصلي قائلاً: «اللهم اربط أعيادنا بالسلاسل إلى أطراف مذبحك إلهي إياك أشكر إلهي إياك أسبّح» (مز 118: 27) ثم يرتقي الكاهن درجة المذبح ويدعى المذبح مائدة الحياة ويدعى أيضاً قدس الأقداس ويشير إلى حضن الآب السماوي ويمينه. ويكون المذبح عادة مستطيلاً لأنه يرمز أيضاً إلى القبر الذي دفن فيه الرب يسوع بعد موته على الصليب. أما الدرجات التي فوقه فترمز إلى القوات السماوية المحيطة بعرش اللّه. وفي وسط المذبح يوضع الطبليث، والطبليث لفظة لاتينية تعني لوحاً أو خِواناً وهو خشبة مستطيلة الشكل سبق تكريسها وتقديسها ومسحها بالميرون المقدس على يد البطريرك أو أحد المطارنة، وهو يمثّل خشبة الصليب المقدس الذي علّق عليه الرب يسوع. ويؤكّد مار ديونيسيوس ابن الصليبي مطران آمد (+1171) ومار سويريوس يعقوب البرطلي مطران دير مار متى (+1241) ومار غريغوريوس أبو الفرج ابن العبري مفريان المشرق (+1286) وغيرهم من آباء الكنيسة على وجوب اتخاذ الطبليث من الخشب الفاخر، ولا يجوز الاحتفال بالقداس الإلهي إلاّ على مذبح وطبليث مقدّسين باستثناء الضرورة القصوى فحينذاك يستعاض عن الطبليث بالإنجيل المقدس أو حتى بورقة منه. وساعة يقام القداس تضاء على المذبح شمعتان عسليتان.
وعلى الطبليث عادة يضع الكاهن الكأس والصينية. وعندما يصعد إلى درجة المذبح يقبّل المذبح في الوسط ثم من الجهة اليسرى، ثم من الجهة اليمنى ويتلو سرياً صلوات للتوبة ثم يرفع الغطاءين من على الكأس والصينية ويمسحهما بالاسفنجة جيداً ثم يضع الاسفنجة على المذبح وفوقها الملعقة إلى يسار الكاهن خارج الطبليث نحو الشرق (ويسار ويمين المذبح والأواني التي عليه هماس يسار ويمين الكاهن) ويضع المخدة وفوقها الكوكب على يمين الكاهن خارج الطبليث نحو الشرق أيضاً. ثم يقدم الشماس إلى الكاهن الخبز والخمر. ويجب أن يكون الخبز مصنوعاً من الحنطة الجيدة الخالصة التي تطحن وتعجن بالماء الطبيعي يذاب فيه شيء من الزيت والملح بيد الكاهن أو الشماس، ويخمّر العجين بخميرة محفوظة في الكنيسة ويصنع على شكل قرص مستدير مطبوع في وسطه ختم مدور مقسّم إلى اثني عشر جزءاً يسمى الجزء الواحد الجوهرة أو الجمرة، ويثقب القرص خمسة ثقوب قبل خبزه إشارة إلى جروحات الرب يسوع الخمسة على الصليب ثم يخبز في ذات اليوم الذي يحتفل فيه بالقداس الإلهي، كما كان شعب العهد القديم يجمع المن في البرية كل يوم ولا يتركه لليوم التالي وإذا بات فسد ودبّ به الدود. ويدعى هذا القرص بالسريانية (فورشونو) برشانة ويعني خبز التقدمة. وهكذا تتوفّر فيه عناصر الجسد الطبيعي الأربعة: فالدقيق يشير إلى عنصر التراب، والماء يشير إلى عنصر الماء، والزيت إلى عنصر الهواء، والملح إلى عنصر النار.

إن كلمة خبز تعني في الكتاب المقدس الخبز المختمر، أما الخبز غير المختمر فيدعى فطيراً (لا 2: 4 ـ 11) والإنجيل المقدس يذكر أن الرب أخذ خبزاً لا فطيراً (مت 26: 26) و(مر 14: 22) و(لو 22: 19) و(1كو 11: 23) مما يؤيد أن ذلك الخبز كان مختمراً. ويجب أن تكون الخمرة جيدة معصورة من العنب ونقية وخالية من أي مادة غريبة، وسمح في بعض الأماكن أن يقدم شراب العنب الطازج في عيد بركة العذراء على الكرمة الذي يعرف الآن بعيد انتقال السيدة العذراء إلى السماء الواقع في الخامس عشر من شهر آب. وهذه العادة مكانية وخاصة وشاذة، والشاذ عادة هوالخروج على القاعدة المألوفة. وبما أن القداس هو ذبيحة المسيحيين المؤمنين لذلك كانوا في القرون الأولى للميلاد يجلبون الخبز والخمر من دورهم ويسلّمونها إلى الشماس الذي بدوره يقدّمها للكاهن الذي يختار منها ما لزم لتقدمة الذبيحة ويحفظ ما بقي منها لمعيشته ومعيشة الفقراء وخدمة الكنيسة طبقاً لقول الكتاب: «ألستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون. الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح» (1كو 9: 13) لكن هذه العادة ألغيت مع الأيام فاعتاض المؤمنون عن تقدمة خيراتهم تقدمة «حسنة القداس» وأخذ الكاهن يعد هو نفسه مواد القربان أو يقوم بذلك الشماس خادم الكنيسة الذي يدعى أيضاً (الساعور) أو القندلفت. وأثناء ذلك يتلو المزامير والدعاء لحفظ الشعب وتوفيقه وتعويضه عن تقدماته للرب وكنيسته.

ويقدم الشماس إلى الكاهن الخبز الذي قد عمل على شكل البرشانات كما يقدّم الخمر إلى الكاهن لينتقي من البرشانات التي خبزت جيداً ويتأكّد من أن الخمرة ممتازة وصالحة أن تقدّم للرب ويختار من الخبز ما كان قد خبز جيداً وينتقي عادة برشانة واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو خمساً وهكذا يجب أن يكون العدد شفعاً. ويقدّس الكاهن جميعها، ويختار منها واحدة فقط التي سيقصيها، أي يكسّرها بعدئذ ويضعها الآن بين أصابع يديه ويرفعها قليلاً كأنه يقدمها للرب وهو يقول: «كحمل سيق إلى الذبح وكنعجة أمام الجزار كان صامتا. ولم يفتح فاه بتواضعه...» ثم يضعها في الصينية وهو يقول: « يا بكر الآب السماوي تقبّل من يدي عبدك الضئيل والخاطئ قرصة الخبز هذه» ثم يضعها على الصينية.
ثم يمزج الخمر بماء وتكون كمية الماء بقدر ثلث كمية الخمر ولا تغمر الكأس إلى فمها لئلا تهرق وأثناء ذلك يقول: «وحّد أيها الرب الإله هذا الماء مع هذا الخمر». ثم يسكب الخمر الممزوج بالماء في الكأس وهو يقول: «عندما صُلب ربنا يسوع المسيح في أورشليم بين لصين طعن بحربة في جنبه فجرى منه دم وماء لمغفرة العالم بأسره، ومن رأى شهد وشهادته حق».
ثم يغطي الكاهن الكأس والصينية بغطاءين صغيرين ويضع أمامه الكأس شرقاً والصينية غرباً وينزل من على درجة المذبح ويتلو (الحوساي) أي بعض الصلوات للتوبة وطلب المغفرة.
إن خدمة تهيئة الخبز والخمر وتقديمهما على مذبح الرب تدعى تقدمة ملكيصادق ملك شاليم التي كانت في العهد القديم تختلف عن تقدمات بقية الآباء الأولين الذين كانت قرابينهم دموية، أما ملكيصادق فقد كانت تقدمته غير دموية فكان يقدّم الخبز والخمر رمزاً للذبيحة غير الدموية التي رسمها الرب يسوع لكنيسته المقدسة. كما أن ملكيصادق نفسه كان يرمز إلى المسيح وبهذا الصدد يقول الرسول بولس: «لأن ملكي صادق هذا ملك ساليم كاهن اللّه العلي الذي استقبل ابراهيم راجعاً من كسرة الملوك وباركه، الذي قسم له ابراهيم عُشراً من كل شيء، المُتَرْجَم أولاً ملك البرّ ثم أيضاً ملك ساليم أي ملك السلام. بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة بل هو مشبَّه بابن اللّه، هذا يبقى كاهناً ألى الأبد... فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال إذ الشعب أخذ الناموس عليه ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هرون» (عب 7: 1 ـ 3 و11) ويقول الرسول بولس أيضاً عن الرب يسوع المسيح: «أقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق» (عب 7: 21). ويختم الكاهن الخدمة الأولى بقوله: «أيها المسيح الذي قبل قربان ملكيصادق الحبر الأعظم استجب يا ربي صلاة عبدك واغفر ذنوب رعيتك...».
ثم يبدأ الكاهن بالخدمة الثانية من الرتبة الاستعدادية وتشمل ارتداء الحلة الكهنوتية وتلاوة صلاة التدبير الإلهي بالجسد ورتبة البخور، قائلاً سراً: «أهلنا أيها الرب الإله أن ندخل إلى قدس أقداسك السامي الرفيع بقلوب نقية» ويتلو صلاة مبتدئاً بالتمجيد قائلاً: «المجد للآب والابن والروح القدس، اللهم أهّلنا...» ثم ينزل من درجة المذبح ويذهب إلى أحد جانبي الهيكل أو المكان المخصص للكهنة حيث يلبسون ثيابهم الكهنوتية التي تليق بمن يتقرّب من اللّه. أما البطريرك والمطران فيلبسان الثياب الكهنوتية أمام المذبح. ثم ينزع الكاهن عنه الجبة قائلاً: «اللهمّ اخلع عني...» ثم يلبس الحلة الكهنوتية الخاصة بتقديم الذبيحة الإلهية. وكان اللّه في العهد القديم قد أمر موسى قائلاً: «واصنع ثياباً مقدسة لهرون أخيك للمجد والبهاء»(خر 28: 2) ويرسم الكاهن السرياني الأرثوذكسي على كل قطعة من الحلة الكهنوتية علامة الصليب مرة أو أكثر كما يفرضه الطقس، ويتلو بعض الأدعية المقتبسة من سفر المزامير، فيرسم على القميص علامة الصليب ثلاث مرات ويلبسه قائلاً: «أللهمّ ألبسني...» ثم يرسم على الهمنيخ علامة الصليب المقدس مرتين وهو يقول: «تمنطقني قوة...» (مز 18: 39) ثم يرسم على الزنار علامة الصليب مرة واحدة وهو يقول: «تقلّد سيفاً» (مز 45: 3) ثم يرسم علامة الصليب مرتين على الزند الذي يلبسه بيده اليسرى وهو يقول: «سلاح البر...» وعندما يلبسه يقول: «علّم يدي...» (مز 18: 34) ثم يرسم علامة الصليب مرة واحدة على الزند الذي يلبسه بيده اليمنى وهو يقول: «سلاح البر...» وعندما يلبسه يقول: «يمينك تعضدني...» (مز 18: 35) ثم يرسم علامة الصليب ثلاث مرات على البدلة ويلبسها وهو يتلو: «البس كهنتك خلاصاً...» (مز 132: 9) إذا كان البطريرك حاضراً فهو يبارك بدلة الكاهن والمطران وإذا لم يكن البطريرك حاضراً، والمطران حاضر فهو يبارك بدلة الكاهن. والمطران يلبس علاوة على الثياب التي يلبسها الكاهن، المصنفة على رأسه، والهرار الكبير فوق البدلة. أما البطريرك فعلاوة على كل ذلك يتقلّد الترس الذي يعلقه في الجانب الأيمن من الزنار وهو علامة الرئاسة العليا لدينا.

ثم يغسل الكاهن يديه وينشّفهما ويجثو أمام المذبح تالياً سراً صلاة للتوبة تبدأ بعبارة: «اللهمّ يا ضابط الكل» ثم ينتصب واقفاً ويرتقي درجة المذبح مقبلاً إياه من الوسط فالجانب الأيسر ثم الجانب الأيمن ويقول: «الرب قد ملك...» (مز 93: 1) ويرفع غطاءي الصينية والكأس ويضع غطاء الصينية عن يمينه وغطاء الكأس عن يساره ويأخذ الصينية بيده اليمنى والكأس بيده اليسرى جاعلاً يمينه فوق شماله على شبه صليب، ويتلو صلاة «تدبير الرب يسوع بالجسد» بدءاً من إرسال الملاك جبرائيل من السماء لتبشير العذراء مريم بالحبل الإلهي ومروراً بميلاده بالجسد وعماده وآلامه وموته ودفنه وقيامته وصعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين اللّه الآب. ويكمل الكاهن هذه الصلاة قائلاً: «ونذكر في هذا الوقت الذي نقدم فيه هذه الأوخارستيا الموضوعة أمامنا أولاً أبانا آدم وأمنا حواء فالقديسة المجيدة والدائمة البتولية والدة اللّه مريم والأنبياء والرسل والمبشرين والإنجيليين والشهداء والمعترفين والأبرار والكهنة والآباء القديسين والرعاة الحقيقيين والملافنة المستقيمي الرأي والنساك والرهبان وكل إنسان أرضى اللّه» ثم يذكر الكاهن اسم القديس الذي يصادف عيده في ذلك اليوم واسم الشخص الذي نوى أن يقدّس لأجله إن كان مريضاً أو تائباً أو أحد الموتى المؤمنين.

إذا كان القداس يقدم على محبة العذراء مريم يتلو الكاهن ثلاث مرات عبارة: «وخاصة للقديسة والدة اللّه مريم...» مع ذكر اسم المؤمن أو المؤمنة المتشفّع بالعذراء والطالب صلواتها. وإذا كان لأحد القديسين يتلو ثلاث مرات عبارة: «اللهمّ أنت القربان...» مع ذكر اسم القديس. وإذا كان عن تائب يتلو ثلاث مرات العبارة المختصة بالتائبين مع ذكر اسم التائب. وإذا كان عن أحد الراقدين يتلو ثلاث مرات العبارة الخاصة بالموتى المؤمنين مع ذكر اسم هذا الراقد بالرب.
ويتلو الكاهن في كل قداس اسم والديه وأجداده وإخوته وأخواته وأقربائه ومعلميه إن كانوا أحياء أو راقدين بالرب بقوله: «اللهمّ برحمتك وعطفك اجعل ذكراً صالحاً لأبي وأمي وأمواتي، وإخوتي وأخواتي وأقربائي وأنسبائي والحاضرين الذي يصلّون معنا وكل من سألني لأذكره أمامك وقد نسيت اسمه لكن اسمه معروف لديك».

ثم يضع الكاهن الكأس من جهة الشرق والصينية من جهة الغرب على الطبليث ويغطيهما بالمنديل الذي يدعى شوشيف وهو يقول: احتجبت السماوات من بهاء المجيد وامتلأت الأرض كلها من تمجيده» والشوشيف يرمز إلى الحجر الذي دحرج على باب قبر الرب يسوع. ويغطي الكاهن به الكأس والصينية لتبقى الأسرار محجوبة عن النظر إلى ما بعد ختام المرحلة الأولى من الليتورجية الذي يدعى بـ «قداس الموعوظين» وهذا يدلّ أيضاً على أن الأسرار المقدسة كانت محجوبة معرفتها عن البشر.

رتبة البخور:
وهي تمثّل كهنوت هرون. وبتقديم البخور أثناء الاحتفال بالقداس الإلهي، تذكّر الكنيسة المؤمنين بما جرى لبني اسرائيل عندما تمردوا على اللّه فعاقبهم تعالى بوباء الطاعون الذي كاد يفنيهم وعندما تشفّع موسى بهم أمر اللّه أن يوعز إلى أخيه هرون ليأخذ المجمرة ويجعل فيها ناراً من على المذبح ويضع على النار بخوراً ويذهب بها سريعاً إلى الجماعة ويبخّرهم ويكفّر عنهم (عدد 16: 46) ففعل ورضي اللّه ببخور هارون ورفع الطاعون عن الشعب حالاً.
فالكاهن الذي يستعد لتقديم الذبيحة الإلهية غير الدموية بعد أن يصمد الخبز والخمر على المذبح ويلبس ثيابه الكهنوتية ثم يتلو صلاة التدبير الإلهي ويغطي الكأس والصينية بالشوشيف كما ذكرنا ينزل إلى أسفل درجة من درجات المذبح ويضع في المجمرة بخوراً إشارة إلى الحبل الإلهي وهو يرسم عليها علامة الصليب المقدس قائلاً: «اللهمّ لوقار ومجد رحمتك أقدّم البخور أنا عبدك الضعيف والخاطئ...» ويتناول المجمرة بيده اليمنى ويواصل المرحلة الثانية من الرتبة الاستعداية لطقس القداس الإلهي التي يقوم بها سراً داخل الهيكل وستار الهيكل مسدول. وبعد أن يتلو (الحوساي) أي صلاة الاستغفار وقد نزل من على درجة المذبح وفي هذه الصلاة يطلب من الرب غفران ذنوبه وخطاياه ويبجّل ويمجد الرب يسوع ويطوّب والدته القديسة مريم والقديسين، والمجمرة بيده اليمنى وهو يبخّر المذبح والخبز والخمر الموضوعين بالكأس والصينية على المذبح فوق الطبليث، ثم يرتقي درجة المذبح، ويوجّه يمينه الحاملة المجمرة نحو الشرق من وراء الكأس والصينية قائلاً: «سبحوا يا أبرار الرب مع عطر البخور الخ» ثم ينقل يمينه إلى أمام الكأس والصينية ويبخّر قائلاً: «سبّحوه يا جميع الشعوب»(مز 33: 1 و117: 1) ثم يعطّر شمال المذبح ويقول: «المجد للآب والابن والروح القدس مع عطر البخور الخ»، ثم يبخّر عن يمين المذبح ويقول: «من الأبد... مع عطر البخور». ثم يدوّر المجمرة أطراف الأسرار ثلاث مرات من يمين المذبح إلى شماله مرتين والمرة الثالثة من شمال المذبح إلى يمينه قائلاً: «يا عظيم الأحبار...» ثم ينزل الكاهن من على درجة المذبح ويأخذ بيده اليسرى وسط طرف المنديل الموضوع على الكأس والصينية ويبخّره قائلاً ثلاث مرات: «السجود للآب الحنان» ثم يقبله ويمسك طرف المنديل من جانب اليسار ويبخّره قائلاً ثلاث مرات: «السجود للابن الرحوم» ثم يقبله ويطوي طرف المنديل بعد تبخيره إشارة إلى أن العهد القديم أعلن فقط شيئاَ يسيراً عن تجسّد ابن اللّه الوحيد. ثم يبخّر المنديل من جانب اليمين قائلاً ثلاث مرات: «السجود للروح المرفرف» ثم يقبله، وينزل من على المذبح.

تستند الكنيسة المقدسة إلى تعاليم الكتاب المقدس، بتقديم البخور أثناء القداس الإلهي والعبادة الجمهورية، فقد أمر اللّه موسى في العهد القديم قائلاً: «وتصنع مذبحاً لإيقاد البخور... فيوقد عليه هرون بخوراً عطراً كل صباح حين يُصلح السُّرج يوقده. وحين يُصعِدُ هرون السُّرج في العشية يوقده. بخوراً دائماً أمام الرب في أجيالكم»(خر 30: 1 ـ 8). ونهى شعبه عن استعماله في غير العبادة حتى أنه أنذر كل من يجرؤ على ذلك بالعقاب بقوله: «والبخور الذي تصنعه على مقاديره لا تصنعوا لأنفسكم يكون عندك مقدساً للرب. كل من صنع مثله ليشُمه يقطع من شعبه»(خر 30: 37و38).

وقد مارست الكنيسة المقدسة منذ عهد الرسل تقديم البخور للّه أثناء القيام بفروض العبادة، ولعل يوحنا اللاهوتي الذي اعتاد أن يرى الكاهن يقدّم البخور لترتفع منه صلوات المؤمنين الأبرار إلى منبر المسيح، رأى يوحنا في رؤياه الأربعة والعشرين شيخاً كهنة اللّه العلي في السماء يرفعون للّه بخورهم مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام اللّه (رؤ 8: 3و4).
وقد استعملت جميع الكنائس المسيحية الشرقية والغربية البخور في فروض العبادة منذ عهد الرسل وما تزال تفعل ذلك. فمن الناحية الصحية فضلاً عن الدينية يكفي أن البخور مطهر للأمكنة من الجراثيم ومختلف الأدواء كما أنه واجب ديني ورائحته العطرة تنعش النفس وتثير فيها الشعور الديني بالموقف الرهيب في عبادة اللّه. ويذكر مار أفرام السرياني (373+) البخور وهو يحرض المؤمن على جمع فكره في الصلاة قائلاً ما ترجمته: «حينما تصلي اجمع عقلك والجم أفكارك ووجّه بها نحو قلبك. لا يكن جسدك قائماً، وقلبك تائهاً في الأشغال، بل اجعل جسمك بيعة وعقلك هيكلاً فاخراً وفمك مجمرة وشفتيك بخوراً ولسانك شماساً لترضي اللّه تعالى».

وأثناء قيام الكاهن بالخدم الاستعدادية من تهيئة القرابين أي مادة سر القربان المقدس الخبز والخمر، وصمدهما على المذبح وتبخيرهما، ويكون ستار المذبح مسدولاً، ويكمل الشمامسة خارج المذبح أي ما بين الكودين الصلاة الفرضية ثم تقرأ فصول من العهد القديم من أسفار موسى الخمسة والمزامير والأسفار الحكمية ونبوات الأنبياء ذلك أن ما جاء في أسفار العهد القديم يشهد على صحة ما جاء في أسفار العهد الجديد، وأثناء كل ذلك يكون المؤمنون جالسين.

ثم يقف المؤمنون ويرتل الشمامسة وجوقة الترتيل والأفضل أن يشاركهم الشعب كله بترتيل ترنيمة «بنورك نرى النور يا يسوع المملوء نوراً (الكامل نوره) فأنت النور الحقيقي الذي ينير جميع المخلوقات فأنرنا بنورك البهي يا ضياء الآب السماوي. أيها البار القدوس الساكن في منازل النور امنع عنا الأهواء الفاسدة والأفكار القبيحة، ووفقنا لنصنع أعمال البر بقلوب طاهرة» وخلال ذلك يُقرع للمرة الثالثة (الناقوس) أي جرس الكنيسة معلناً بدء الخدمة الجهورية أي العلنية من القداس الإلهي كما كان قد قرع الناقوس في بدء صلاة قومة الليل ثم ثانية في ختامها أي قبل بدء صلاة قومة الصباح ليدعو المؤمنين إلى الكنيسة وينبّههم ليستعدوا لتمجيد ربنا يسوع المسيح وليكونوا في عداد جنوده الصالحين في محاربة إبليس وجنده. فكما أن رؤساء الأمم يدعون الجيوش بصوت الصافور والبوق لتجتمع وتستعد لمنازلة العدو، هكذا تدعونا الكنيسة المقدسة بصوت الناقوس للاستعداد لمنازلة عدونا إبليس وجنده. وأثناء ترتيل ترنيمة «بنورك نرى النور» يدخل الشمامسة إلى الهيكل من أحد البابين الواقعين على جانبي الهيكل بعد أن يقبّلوا الإنجيل المقدس ثم يقبّلون جانبي المذبح، ثم يلبسون قمصانهم وهراراتهم، ويوقدون الشموع الصفراء الموضوعة على المذبح والمصنوعة من شمع العسل ذلك أن التقليد الكنسي السرياني لا يسمح باستعمال شمع الكافور لاحتوائه على مواد حيوانية، وعندنا يمنع وضع أي شيء حيواني على المذبح. كما يوقد الشماس (المشملي) شمعة ويسير أمام الكاهن الذي يكون قد وضع البخور بالمجمرة إشارة إلى الميلاد الإلهي ومسكها بيمينه ويحمل شماسان مروحتين مصنوعتين من فضة أو معدن يعلق حول كل واحدة منهما أجراس صغيرة تعطي أصواتاً لطيفة عندما يهزّها الشماس وكانت سابقاً عبارة عن مروحة تستعمل لإبعاد الذباب عن القرابين وتحوّلت إلى آلة موسيقية، قيل بعدئذ في تفسيرها أنها تشير إلى الملائكة وتسابيحهم. ويسير الشماسان عادة وراء الكاهن أثناء دورانه حول المذبح. ويُكشف الستار المسدول أمام الهيكل ويهتف الكاهن قائلاً: «مريم ديلدةك ويوحنن دآعمدك ؤنون نؤوون لك مفيسنًا حلفين وآةرحمعلين، بألوة آما ديلدةك ودكلؤون قدًيشيك» «مريم التي ولدتك ويوحنا الذي عمّدك يتشفعان لنا عندك، وبصلاة أمك التي ولدتك وجميع قديسيك» ثم يؤدّي الشمامسة وجوقة الترتيل بل الشعب الحاضر كله النشيد المنثور من تأليف مار سويريوس الكبير البطريرك الأنطاكي (538+) ويدعى بالسريانية (معنيث) يؤدّيه الشعب ترتيلاً ويبدأ بعبارة «آرمرمك مري ملكا» «أعظمك يا سيدي الملك الابن الوحيد وكلمة الآب السماوي الخالد طبعاً. ارتضى وجاء بنعمته لحياة الجنس البشري وخلاصه، وتجسّد من القديسة المجيدة والبتول الطاهرة والدة اللّه مريم، وصار إنساناً دون تغيير، وصلب لأجلنا المسيح إلهنا، وبموته وطئ موتنا وقتله، وهو أحد الثالوث الأقدس يسجد له سوية ويُمجّد مع أبيه وروحه القدوس والخ...» ويبدأ الكاهن دورته من الجهة اليمنى وراء المذبح ثم يبخّر قدام المذبح ويبخّر الكهنة والشمامسة ثم الشعب كله ممثلاً دورة الرب يسوع المسيح في العالم أثناء تدبيره الإلهي العلني بالجسد، ويعطر الكاهن الجو بالبخور الذي يرمز إلى تطهير الرب يسوع العالم بتعاليمه الإلهية من عفونة الخطية. ويعتبر الكاهن لسان الشعب والوسيط بين اللّه والشعب المؤمن. وعندما ينتهي الكاهن من دورته من وراء المذبح أي وراء قدس الأقداس يقف أمام المذبح ووجهه نحو الشرق ويبخّر ثلاثاً، وإذا كان البطريرك حاضراً أو كان أحد المطارنة فيجب أن يبخّر أمامه ثلاثاً ويقبّل يمينه. ثم يلتفت نحو اليسار ويبخّر الحاضرين ثم يلتفت نحو الغرب ويبخّر الحاضرين ثم نحو الشمال ويبخر الحاضرين وينتهي إلى الشرق أي أمام المذبح فيسلّم المجمرة إلى شماس. ويرتقي درجة المذبح ويضع إصبع السبابة من يده اليمنى على قاعدة المذبح أمام الكأس والصينية ويبدأ بتلاوة التقديسات الثلاثة التي تسمّى باليونانية تريساجيون وهي موجّهة إلى الاقنوم الثاني من الثالوث الاقدس أي الرب يسوع المسيح الإله المتجسد قائلاً: «قدوس أنت أيها الإله». ويكمل الشعب قائلاً: «قدوس أنت أيها القوي قدوس أنت غير المائت يا من صلبت عوضاً عنا ارحمنا» (ويكرر ذلك ثلاث مرات) ثم يقول الشعب: «قوريليسون» ثلاث مرات.

ففي المرة الأولى عندما يقول الكاهن «قدوس أنت يا اللّه» يضع إصبعه (السبابة) من يده اليمنى على المذبح أمامه ثم يرسم علامة الصليب على نفسه. وفي المرة الثانية يضع إصبعه (السبابة) من يده اليمنى على الصينية ثم على قاعدة المذبح أمامه ثم يرسم علامة الصليب على نفسه. وفي المرة الثالثة يبدأ بوضع السبابة على الكأس ثم على الصينية ثم على قاعدة المذبح ثم يرسم علامة الصليب على ذاته وتكون ثلاثة أصابع من يده اليسرى على المذبح حتى ينتهي من التقديسات الثلاثة. ومن المفيد أن نذكر هنا أن التقديسات الثلاثة دخلت إلى طقس القداس في فجر المسيحية، فبحسب تقليد كنيستنا السريانية الأرثوذكسية، أنه بعد أن أسلم الرب يسوع روحه بيد أبيه وأخذ يوسف الرامي ونيقوديموس إذناً من بيلاطس البنطي بدفن جسده المقدس فعندما كانا ينزلان الجسد المقدس من على الصليب ظهرت الملائكة وأنشدت قائلة: «قدوس أنت اللّه، قدوس أنت القوي، قدوس أنت الحي غير المائت» فكمل يوسف ونيقوديموس الانشودة قائلين: «يا من صلبت عوضاً عنا ارحمنا».

وبعد الانتهاء من ترتيل (التقديسات الثلاثة) ينزل الكاهن من على المذبح، ثم يقف شماس على الدرجة الأولى ما بين المذبح والهيكل في شمال الشخص المواجه للمذبح والشعب يرتل قورياليسون قوريليسون (ثلاث مرات) ثم (الرسل المختارون) ويتلو الشماس قراءة من سفر أعمال الرسل أو الرسائل الجامعة، وبعد أن ينتهي من ذلك يقف المؤمنون الحاضرون ويرتلون: «سمعت بولس الرسول الطوباوي يقول: إن جاء أحد وبشّركم بخلاف ما بشّرناكم وإن كان ملاكاً من السماء فليكن محروماً من الكنيسة وها إن التعاليم المختلفة تنبع من كل صوب فطوبى لمن بتعليم اللّه بدأ وكمّل» ويقف أحد الشمامسة على الدرجة الأولى من المذبح في الجهة اليمنى للشخص المواجه للمذبح ويتلو قراءة من رسائل القديس بولس الرسول. وأثناء تلك القراءة يقف الشعب لأن الرسول بولس يمثّل من ينادي أمام موكب الملك ليعدّ الشعب لاستقباله. ويصلي الكاهن قائلاً: «اقبل يا رب صلواتنا وطلباتنا...» أما البطريرك والمطران فيجلسان أثناء تلاوة قراءة من سفر أعمال الرسل أو من رسائل الرسول بولس لأنهما برتبة الرسل. وبعد الانتهاء من قراءة الرسالة يرتّل الشعب بالسريانية ترتيلة «هاليلويا هاليلويا هاليلويا: اذبحوا له ذبائح التسبيح احملوا القرابين النقية وادخلوا إلى ديار الرب واسجدوا أمام مذبح قدسه هاليلويا» وخلال ذلك يصلي الكاهن سراً وهو متّجه نحو الشرق صلاة الاستعداد لقراءة الإنجيل المقدس قائلاً: «امنحنا يا رب معرفة كلامك الإلهي واملأنا من فهم إنجيلك المقدس ومن غنى مواهبك الإلهية وعطايا روحك القدوس وأعطنا أن نحفظ وصاياك بفرح ونكمّل إرادتك فنستحق بركاتك ومراحمك الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين». ويأخذ الشماس المجمرة إلى الكاهن فيضع فيها الكاهن البخور ويمسك شماسان شمعتين عن يمين الكاهن ويساره وهما يمثّلان المبشرين الذين أرسلهم الرب يسوع اثنين اثنين أمام وجهه (لو 10: 1). ويفتح الكاهن الإنجيل المقدس ليقرأ الآيات المقدسة المخصصة قراءتها لذلك اليوم أو المناسبة. ولا بدّ من أن نذكر أن فصول أسفار الكتاب المقدس ولا سيما الإنجيل المقدس قسّمها آباؤنا القديسون في طقسنا الأنطاكي السرياني على نسق الترتيب الكنسي على مدار السنة بما لا يوصف من الحكمة والذوق. وللكتاب المقدس بالسريانية ترجمات عديدة تستعمل الكنيسة غالباً الترجمة البسيطة التي جرت في أواخر القرن الأول أو أوائل الثاني من اليونانية، وسريانيتها قريبة من الآرامية إن لم تكن ذاتها التي بها نشر الرب يسوع بشارة الخلاص.

ويقف الشماس أمام منبر الإنجيل المقدس وهو متّجه نحو الشرق وبيده المجمرة ويبخّر، فبعد أن يرتل أحد الشمامسة ما نسميه (بالهلاّل) يتلو الشماس الذي بيده المجمرة ما يأتي: «مع الخوف والهدوء والسكون والنقاوة والورع لنصغِ ولنسمع بشارة كلام الحياة إنجيل ربنا يسوع المسيح المقدس الذي يتلى علينا...». ويرسم الكاهن بيده اليمنى علامة الصليب على الحاضرين وأما البطريرك أو المطران فيبارك الشعب بالصليب الذي يمسكه قائلاً:«السلام لجميعكم» وبهذا يريد أن يعلن أنه يريد ان يبلّغهم بشارة ربنا يسوع المسيح الإله المتجسّد رب السلام الذي صنع السلام بين اللّه والإنسان كما فعل الملائكة حين بشّروا الرعاة بميلاده (لو 2: 14)، ويجيبه الشعب: «ومع روحك أيضاً...» ويقول الكاهن: «إنجيل ربنا يسوع المسيح المقدس، البشارة المحيية حسب متى الرسول (أو يوحنا الرسول أو مرقس البشير أو لوقا البشير) الذي يبشر العالم بالحياة والخلاص» الشعب: «مبارك الذي أتى والعتيد أن يأتي، المجد لمرسله وعلينا مراحمه إلى الأبد». الكاهن: «في زمان تدبير (أو ميلاد أو عماد أو قيامة أو صعود) ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، كلمة الحياة، الإله الذي تجسّد من العذراء القديسة مريم، هكذا جرت الأمور» فيجيب الشعب: نؤمن ونعترف. وعند نهاية تلاوة الإنجيل المقدس يلتفت الكاهن أيضاً إلى البطريرك أو المطران إذا كان حاضراً ويقول له: «بارخمور» ثم يلتفت إلى الشعب ويقول: «الأمن والسلام لجميعكم» ويرسم علامة الصليب، ثم يقبّل الإنجيل ويضعه على منصته ويلتفت نحو المذبح. وكان الكاهن قديماً يلقي عظة مختصرة بعد الانتهاء من تلاوة الإنجيل المقدس، أما الآن فالعظة تلقى قبل الرفعة الأخيرة لتتاح فرصة سماعها للمؤمنين الذين لم يتمكّنوا من حضور القداس الإلهي في بدئه.

وكان الذين يحضرون القداس الإلهي في الأجيال الأولى للميلاد، يأخذون مواقعهم في الوقوف في الكنيسة بحسب أصنافهم، فالأغلبية كانت من المؤمنين المعمّدين والحافظين الشريعة والبقية من الموعوظين الذين ولئن آمنوا بالرب يسوع المسيح ابن اللّه الوحيد مخلّص العالم لكنهم كانوا ما يزالون تحت التجربة والاختبار، وكانت مدة التجربة ثلاث سنوات يدرس خلالها طالبو الانضمام إلى الكنيسة مبادئ الدين المسيحي المبين والتمرّس على ممارسة الفضائل المسيحية السامية. ثم كان هناك المعترون من الأرواح النجسة الشريرة والمعتوهون، والتائبون الكبار وهم الخطاة الذين ارتكبوا جرائم كبرى وقد اعترفوا بذلك وندموا وتابوا، ولم يكمّلوا التأديبات الكنسية وواجبات التوبة، وهؤلاء جميعاً يحضرون الصلوات مع المؤمنين وكانت لهم أماكن خاصة في الكنيسة ويحق لهم حضور القسم الأول من القداس ويدعى قداس الموعوظين، الذي يبدأ ببدء القداس وينتهي بانتهاء الكاهن من تلاوة الإنجيل المقدس والوعظ، وكان الشماس في القرون الأولى يصرفهم بعد ذلك إذ يدعو أعضاء كل فئة منهم فيتقدمون أمام الهيكل حيث يصلي عليهم الأسقف ثم يأمرهم الشماس أن يغادروا الكنيسة حينذاك يبدأ قداس المؤمنين بعد أن ينادي الشماس أن تغلق أبواب الكنيسة إذ لا يحق إلاّ للمؤمنين المعمّدين أن يحضروا تقديم الذبيحة الإلهية غير الدموية ويشتركوا بتناول القربان المقدس. وقد ترك تدبير فصل الموعوظين عن المؤمنين وصرف الموعوظين في بدء قداس المؤمنين بعد القرن التاسع للميلاد. أما اليوم فيحضر القداس الإلهي القريب والغريب والمؤمن وغير المؤمن دون استثناء ولكن لا يسمح بالتناول إلا للمشتركين بالإيمان الواحد، وبعد أن يكونوا قد قدّموا توبة صادقة واعترافاً قانونياً أمام الكاهن الشرعي أو اشتركوا بالاعتراف العام الذي يجري بأمر مطران الأبرشية في الظروف الاستثنائية كما فسّح قرار مجمع العطشانة عام 1971.

مقدمة قداس المؤمنين:
بعد قراءة الكاهن الإنجيل المقدس يرتّل الشعب ترتيلة: «في كل آن وأوان لنذكر الأنبياء والرسل الذين نشروا بشارتك بين الشعوب ولنذكر الأبرار والصديقين الذين انتصروا (على إبليس والعالم والخطيئة) وحازوا على الأكاليل، ولنذكر الشهداء والمعترفين الذين تحمّلوا الشدائد والآلام ولنذكر والدة اللّه والقديسين والموتى المؤمنين». أو يُرتل نشيد آخر مشابه مما قد خصّص لعيد أو مناسبة روحية خاصة، ثم يهتف الشماس قائلاً: «سطو من قالوس قوريالليسون» أي (يا رب ارحم) ويتلو الكاهن ما يسمى بحوساي الدرج وهو واقف أمام المذبح ومتجه نحو الشرق وإذا وجد البطريرك أو أحد المطارنة فهو الذي يفتتح ذلك. وتعريب ذلك: «لنصلِّ جميعاً ونطلب من الرب الرحمة والحنان...» وبعد أن ينتهي من تلاوة الفروميون (المقدمة)، ينادي الشماس قائلاً: «أمام الرب الرحيم وأمام مذبحه الغافر وأمام هذه الأسرار المقدسة الإلهية، بوضع البخور بيد الكاهن الموقر فنلصلِّ جميعاً طالبين من الرب رحمة وحناناً فارحمنا أيها الرب الرحيم وأعنا» وهنا يفتح الكاهن طية طرف الشوشيف الموضوع على الكأس والصينية ثم يضع بخوراً في المجمرة ويتلو: «اللهمّ مع عطر البخور هذا امنحنا عفواً وغفراناً وتطهيراً، صافحاً عنا متغاضياً عن آثامنا، واغفر لي خطاياي الكثيرة والعظيمة التي لا تحصى متجاوزاً عن ذنوب عبادك المؤمنين، وارأف بنا أيها الجواد وارحمنا. تذكرنا اللهمّ ذاكراً نفوسنا وأنفس آبائنا وإخوتنا ورؤسائنا ومعلمينا وموتانا وأنفس الموتى المؤمنين أبناء البيعة المقدسة المجيدة. أرح يا رب أنفسهم وأرواحهم وأجسادهم راضياً، وانضح عظامهم من حنانك راحماً، وتعطّف علينا أيها المسيح إلهنا وملكنا رب الجلالة.

استجبنا أيها الرب ربنا وكن لنا مُعيناً وخلّصنا وتقبّل دعواتنا وابتهالاتنا كرماً. واكفنا برحمتك وحلمك جميع العقوبات الشديدة (والضربات المؤذية) ووفّقنا يا رب الأمن والسلام جميعاً إلى الآخرة الصالحة المحفوظة لآل السلام. وامنحنا نهاية مسيحية ترضاها وتليق بجلالك الإلهي وإياك نحمد مسبحين الآن وإلى أبد الآبدين» (إذا وجد البطريرك أو أحد المطارنة فهو الذي يفتح طية الشوشيف ويضع البخور في المجمرة) ويبدأ صلاة (مع عطر البخور كن يا رب غافراً ومطهراً ومتجاوزاً وماحياً وغير ذاكر شرورنا...) ثم يتلو (السدر) أي نبذة الصلاة وهي الجزء الثاني من الحوساي. وبعد الانتهاء من ذلك يقول الشماس: « تقبل الرب استغفارك وأعاننا بدعواتك» ويعقبه الكاهن بقوله: «لنحظ من اللّه مغفرة الذنوب والصفح عن الآثام في العالمين والآن وفي كل أوان وإلى الأبد» الشماس: «آمين». ويقف الشماس مقابل الكاهن وبيده المجمرة متّجهاً نحو الشمال ويضع الكاهن البخور في المجمرة ويتابع الكاهن تلاوته مما يعتبر تمجيداً للثالوث الأقدس الذي وحده له القداسة قائلاً: «أنا عبد اللّه الضعيف والخاطئ أهتف وأقول...» ويضع الكاهن إصبع السبابة ليده اليمنى فوق أعلى المجمرة وهو يقول: «قدوس هو الآب القدوس» ثم يرسم علامة الصليب فوق سلاسل المجمرة أثناء إجابة الشعب قائلين: «آمين». ثم يضع الكاهن إصبعه السبابة ثانية فوق أعلى المجمرة وينزلها إلى وسطها قائلاً: «قدوس هو الابن القدوس» ثم يرسم علامة الصليب فوق السلاسل ويجيب الشعب: «آمين». ثم يضع الكاهن ثالثة إصبعه فوق أعلى المجمرة وينزلها إلى الوسط ثم إلى مكان النار تالياً: «قدوس هو الروح القدس الذي يبارك بخور عبده راحماً أنفسنا وأنفس آبائنا وإخوتنا ومعلمينا وأمواتنا وجميع الموتى المؤمنين أبناء الكنيسة المقدسة في العالمين إلى أبد الآبدين» ويدوّر الكاهن يده اليمنى حول محل النار مرتين إلى اليمين ومرة إلى اليسار...

وتشير المبخرة وترمز إلى السيدة مريم العذراء التي حلّ بأحشائها نار اللاهوت ولم تحترق. والبخور يرمز إلى تعاليم ربنا يسوع المسيح الإله المتجسد الذي عطرت تعاليمه العالم ونقته من رائحة الوثنية الكريهة واليهودية البغيضة، والأجراس الصغيرة المعلقة بالسلاسل ترمز إلى عدد الرسل الإثني عشر الذين حملوا بشارة الخلاص إلى العالم أجمع أما الكلمات التي يلفظها الكاهن فهي إعلان الإيمان المسيحي بألوهة الأقانيم الثلاثة الآب والابن والروح القدس الإله الواحد ورحمته بنا ومحبته للبشر ومنحه مغفرة الخطايا.

بعد أن ينتهي الكاهن من مباركة المجمرة والاعتراف بالثالوث الأقدس، ينادي الشماس قائلاً: «الحكمة الإلهية الخ» ويتناول الكاهن المجمرة من يد الشماس ويبخّر أمام المذبح ثم أمام الموجودين في المذبح وعندما يلتفت نحو الشعب يقول: «نؤمن بإله واحد» والشعب يكمل تلاوة دستور الإيمان النيقاوي (325) القسطنطيني (381). وقد دخل دستور الإيمان النيقاوي إلى طقس القداس على ما ارتأى بعضهم بعد القرن الخامس وفيه يعلن المؤمنون صدق إيمانهم واعترافهم بالثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس الإله الواحد، وقبولهم الرب يسوع المسيح الإله المتجسّد مخلّص العالم وإطاعتهم الروح القدس مرشد الكنيسة ومعلمها ومعزّيها ومشجعها، ثم يعلنون وحدتهم بالمسيح بانتمائهم إلى الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية وانتظارهم مجيء الرب ثانية إلى عالمنا هذا ليدين الأحياء والأموات. وعندما ينتهي الكاهن من دورة التبخير يسلّم المجمرة إلى الشماس وأثناء تلاوة دستور الإيمان يغسل الكاهن رؤوس أنامل يديه قائلاً: «اغسل يا رب... الخ» وغسل الأيدي يدلّ على نقاء القلب، وكان كل فرد من المؤمنين يغسل يديه قبل دخوله إلى الكنيسة ليكون مستعداً ليتسلّم القربانة عند التناول، حيث كان الكاهن يضع الجمرة أي الجزء الصغير من أجزاء البرشانة بعد استحالتها إلى جسد الرب يسوع على راحة يدي المؤمن ليتناولها ثم يسقيه من الكأس الخمر الذي استحال إلى دم المسيح. وقد بطلت هذه العادة مع الأيام، واستبدلت لدينا بغمس الكاهن جزءاً كاملاً من أجزاء البرشانة (التي استحالت سرياً إلى جسد المسيح) بالكأس المملوءة بالخمر (الذي استحال إلى دم المسيح) ويضع هذاالجزء (الذي يدعى أيضاً جمرة) في فم كل واحد من المتقدمين إلى التناول.

وأثناء تلاوة الشعب دستور الإيمان، وبعد أن يغسل الكاهن يديه، يستدير نحو الشرق أي أمام المذبح ويبسط يديه ويأتي بهما إلى صدره ثلاثاً قائلاً: «أسجد لربوبيتك يا إلهي» ثم إلى الغرب قائلاً: «إخوتي وأحبائي صلوا لأجلي» ثم يقبل الإنجيل المقدس ويمين البطريرك أو أحد المطارنة إذا وجد، ثم يجثو أمام المذبح بتواضع ووداعة وحزن كما جثا الرب يسوع في بستان الجثسيماني وتقاطر عرقه دماً وكانت نفسه حزينة حتى الموت وقال للآب: «إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس» (مت 26: 39)، وإذ يشعر الكاهن بأنه يمثّل المسيح وقد جثا في أسفل مذبح المسيح الذي يمثّل المسيح أيضاً يقدم صلاة توبة صادقة وبألم يعترف بخطاياه وهو يقول سراً صلاة التوبة والاعتراف أمام اللّه قائلاً: «أيها الثالوث الأقدس ارحمني... الخ» ثم ينتصب ويقبّل المذبح. وكان الشماس سابقاً ينادي قائلاً: «قد آن أوان الصلاة وإنه الوقت الذي ننال فيه الغفران». وهذه المناداة ألغيت مع الزمن ولكن ما تزال الكنيسة تستعملها فقط قبل أن يصعد الكاهن إلى درجة المذبح ليبدأ صلاة السلام في أيام آحاد الصوم الكبير.

بعد أن أعلن الشعب إيمانه ووحدانيته مع نية الكاهن، ودار الشماس (المشملي) بين المؤمنين في الكنيسة أثناء تلاوة دستور الإيمان وبيده مجمرة البخور وعطّر الشعب بتعاليم الرب يسوع يعود إلى المذبح وكأني به يقول للكاهن إن المؤمنين مستعدون لمشاركته بتقديم الذبيحة وقد شاركوه بوحدة الإيمان والنية النقية وأيّدوه لاتباع السلام. وهنا تبدأ الخدمة الجهورية وهي مجموع صلوات طقس القداس التي يقال لها ليتورجية وهي لفظة يونانية كما يقال لها أيضاً أنافورا وهي الأخرى لفظ يوناني معناه رفع القربان، وتبدأ بصعود الكاهن درجة المذبح وتقبيله من الوسط فالجانب الأيسر فالأيمن، ثم تلاوة رتبة السلام ثم التقديس والرفعة ثم المناولة ثم الختام.

رتبة المسامحة:
يبدأ قداس المؤمنين برتبة المسامحة طبقاً لوصية الرب يسوع القائل: «فإن قدّمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكّرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك هناك قربانك قدّام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذ تعالَ وقدّم قربانك» (مت 5: 23و24) فحالما يصعد الكاهن على درجة المذبح يبدأ بصلاة السلام قائلاً: «يا إله العالم وربه أهّلنا لهذا الفداء وإن لم نكن له أهلاً لكي يسالم بعضنا بعضاً بقبلة مقدسة...» ويجيب الشعب: «آمين» ويقول الكاهن: «السلام لجميعكم» وأثناء ذلك يسيّر الكاهن يمينه فوق الكأس والصينية ويرفعها فوق كتفه مشيراً بها للشعب ليعرف الشعب أنه يحييهم ثم يرسم الكاهن بإصبعه صليباً على جبهة الشماس الذي بيده المجمرة ويقبض الكاهن على سلاسل المجمرة ويقبلها قائلاً للشماس حاملها: «سلام ربنا وإلهنا»، والشماس يقبّل يمين الكاهن قائلاً ليكن معنا وبيننا. ثم يقبّل الشمّاس يمين البطريرك أو أحد المطارنة إن وجد، ومنه يأخذ الكهنة والشمامسة السلام. أما إن لم يوجد في المذبح البطريرك أو المطران فيعطي الشماس السلام لكاهن داخل المذبح وإن لم يوجد فلأرقى الشمامسة رتبة وكل ذلك بوساطة سلاسل المبخرة ثم يعطي الشمامسة داخل المذبح ثم الشعب خارج المذبح السلام الواحد للآخر.

فبعد أن يعطي الكاهن السلام للشعب بقوله: السلام لجميعكم، يجيبه الشماس بقوله: «ومع روحك أيضاً» ويتابع الشماس قوله موجهاً إياه للشعب قائلاً: «لنعطِ السلام بعضنا بعضاً كل واحد لقريبه بقبلة مقدسة روحية، بمحبة ربنا وإلهنا وبعد إعطاء هذا السلام الإلهي المقدس فلنحنِ رؤوسنا أمام الرب الرحيم. أمامك يا ربنا وإلهنا» ويواصل الكاهن تلاوة الصلوات قائلاً صلاة البركة: «يا من هو وحده رب رحيم ساكن في الأعالي ويتطلع إلى أوضع الأعمال أسبغ بركاتك على الذين طأطؤوا الرؤوس أمامك وباركهم بجودة ابنك الوحيد وروحك القدوس... الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين»، الشعب: «آمين».

صلاة رفع الحجاب:
يتلو الكاهن قائلاً: «أيها الإله الآب يا من برأفتك الجزيلة أرسلت ابنك إلى العالم ليرجع الخروف الضال لا ترذل خدمة هذه الذبيحة غير الدموية لأننا على رحمتك وليس على برنا متّكلون فلا يكن هذا السر الذي دبّر لخلاصنا دينونة لنا لكن واسطة للصفح عن خطايانا ولحمدك وشكر ابنك الوحيد وروحك القدوس...».
الشماس: «لنقف حسناً لنقف بخوف اللّه وبورع وقداسة...» ويكمل الشماس الذي بيده المجمرة وهو يحركها لتعطي صوت الأجراس وتبخّر المكان قائلاً: «فلنقف جميعنا يا إخوتي بالمحبة والإيمان الحق وخصوصاً لننظر بمخافة اللّه إلى هذه التقدمة الرهيبة والمقدسة الموضوعة أمامنا بين يدي هذا الكاهن الوقور الذي بأمن وسلام يقرّبها ذبيحة حية للّه الآب رب الجميع...». ينبّه الشماس بهذا القول الشعب المؤمن ليقف بخوف اللّه والقداسة لأن الغطاء سيرفع عن الأسرار المقدسة فتظهر للعيان، أي أن اللاهوت غير المنظور المحجوب بالأسرار تعلن حقيقته للمؤمنين ولئن كانوا لا يستطيعون أن يروه بالعين المجردة، ويرمز الشوشيف (المنديل) إلى الصخرة التي كانت قد دحرجت من على باب قبر الرب يسوع.

وخلال ذلك يرفع الكاهن بيديه المنديل (الشوشيف) من على الكأس والصينية ويرف به فوقهما ثلاث مرات قائلاً سرّاً: «أنتِ هي الصخرة الصلدة التي تفجّر منها اثنا عشر نهراً في البرية لأسباط إسرائيل الإثني عشر، أنتِ هي الصخرة الصلدة التي وضعت على قبر مخلصنا» ويجمع الكاهن المنديل ويدوّره فوق أطراف الأسرار من اليمين إلى اليسار مرتين، ثم من اليسار إلى اليمين مرة واحدة ويقبّله ويضعه على المذبح ويرفع الكوكب من على الصينية ويضعه فوق المخدة ثم يضع إصبع السبابة من يمينه على المذبح ويرفعها ويرسم على وجهه إشارة الصليب المقدس ثم يلتفت نحو يسار المذبح ويرسم صليباً ثم عن يمين المذبح ويرسم صليباً أيضاً وإذا وجد كهنة بأي جهة كانت يرسم الصليب على وجهه ويتّجه نحو المؤمنين من جهة اليمين. ويضع يده اليسرى على المذبح ويبقيها كذلك حتى ينتهي من منح البركة وينزل رجله اليمنى من على درجة المذبح إذا وجد البطريرك أو أحد المطارنة، ويرسم إشارة الصليب على المؤمنين ثلاث مرات وهو يقول: «لتكن محبة اللّه الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة وحلول الروح القدس مع جميعكم إخوتي إلى الأبد» (2كو 12: 14) أما إذا كان مقرّب الذبيحة البطريرك نفسه فيبارك الشعب بالصليب ويمسك العكاز بيده اليسرى. وكذلك يفعل المطران إذا كان هو نفسه يقرّب الذبيحة. ولكن بحضور البطريرك لا يمسك المطران عكازاً.

بدء قداس المؤمنين:
ثم يلتفت الكاهن نحو الشرق إلى المذبح ويرفع ذراعيه وكفيه باستقامة نحو السماء وينتدب المؤمنين إلى رفع أفكارهم إلى العلى وهو يقول: «لتكن عقولنا وأفكارنا وقلوبنا متّجهة الآن إلى فوق حيث المسيح جالس عن يمين اللّه الآب» يجيب الشعب: «هي عند الرب الإله» يجيب الكاهن وقد أنزل يديه وضمّهما إلى صدره قائلاً: «فلنشكر الرب بمخافة». ويقول الشعب: «إنه لواجب ولائق» ويجيب الكاهن: «بالحقيقة لائق وواجب أن نشكر ونسجد ونمجّد خالق كل المسكونة يا من حقاً أنت هو اللّه الآب مع ابنك الوحيد وروحك القدوس».

ويتابع الكاهن كلامه باسطاً يديه، وهو يوجّه فكره وأفكار المصلّين إلى السماء ليتخيّلوا العرش الإلهي ويذكّرهم برؤيا إشعيا النبي الذي رأى الملائكة في السماء وسمعهم يمجّدون اللّه قائلين: «قدوس...» ويريد الكاهن أن يشترك المؤمنون مع الملائكة بهذا التمجيد فيناجي اللّه تعالى قائلاً جهراً: «يا من تسبحه الأجناد السماوية المجسمة وغير المجسمة، الشمس والقمر وسائر الكواكب والأرض والبحار والأبكار المكتوبة في أورشليم السماوية، الملائكة ورؤساء الملائكة الرئاسات والسلاطين والعروش والسادات والأجناد، الكروبيم الكثيرة أعينهم والسرافيم المسدسة أجنحتهم الذين يحجبون وجوههم وأرجلهم ويطيرون الواحد إلى الآخر مقدّسين وهاتفين وقائلين قدوس».
الشعب يرتّل تسبحة الملائكة قائلين: «قدوس قدوس قدوس الرب القوي. لقد غمرت تسابيحك السموات والأرض المجد في العلى مبارك الذي أتى والآتي باسم الرب المجد في الأعالي». وخلال ذلك يرفرف الكاهن بيديه فوق الكأس والصينية ويقدّم سراً صلاة يمجّد بها الثالوث الأقدس ويذكر أن الآب السماوي خلق الإنسان من تراب الأرض ووضعه في الفردوس وإذ تعدى وصية اللّه سقط ولم يتركه اللّه ضالاً بل أرسل الأنبياء ليهدوه سواء السبيل وأخيراً أرسل ابنه الوحيد الذي تجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وجدد مثال اللّه الذي كان قد أفسده الإنسان بالخطية، وهذه الصلاة السرية مع صلاة تقديس الملائكة للّه تعتبران مقدمة وتمهيداً لإعلان رواية الإنجيل المقدس لرسم الرب يسوع سرّ جسده ودمه الأقدسين حيث يتلو الكاهن بوداعة وتواضع ومخافة اللّه ما يدعى بالكلام الجوهري وهي الكلمات المقدسة التي دوّنها الإنجيل المقدس واصفاً رواية القداس الأول أي ما جرى في العشاء الرباني في العلية التي هي بيت مرقس ليلة آلام الرب يسوع، وما فاه به الرب يسوع حينذاك. ويقول الكاهن: «ولما كان مزمعاً أن يذوق الموت بإرادته عوضاً عنا نحن الخطاة ذلك المعصوم من الخطية أخذ خبزاً على يديه المقدستين» وهنا يأخذ الكاهن البرشانة من على الصينية بيده اليمنى ويضعها على راحة يده اليسرى ويضع يده اليمنى تحت يده اليسرى. عندما يلفظ كلمة «بارَكَ» يرفع يده اليمنى ويرسم على البرشانة علامة الصليب مرتين، وعندما يقول «وقدّسَ» يرسم عليها علامة الصليب مرة واحدة. وعندما يلفظ كلمة «وكسّرَ» يمسك البرشانة بأصابع يديه ويكسّرها جزئياً من الطرف الأعلى إلى نصفها دون أن يفصلها وبعد قوله «وأعطى تلاميذه القديسين قائلاً خذوا كلوا» يدني البرشانة من فمه، وعندما يقول «هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم وعن كثيرين» يحدق بالبرشانة ملياً، ويحني رأسه إكراماً ورعدة وتعجباً وشكراً للّه الذي بذل ذاته لأجل خلاصنا نحن البشر الخطاة. ثم يدير الكاهن البرشانة نصف دورة نحو اليسار وعندما يقول «وكسّر» يكسّر النصف الثاني من البرشانة الذي بقي دون كسر ودون أن يفصل النصفين عن بعضهما يدنيها من فمه وبعد الانحناء بإكرام يضع البرشانة على الصينية.

ثم يأخذ الكاهن الكأس بيده اليسرى ويضع إصبع السبابة من يده اليمنى على طرف فم الكأس وهو يقول: «ثم أخذ الكأس أيضاً وبعد أن شكر بارك وقدّس وأعطى تلاميذه القديسين خذوا اشربوا منه كلكم هذا هو دمي الذي من أجلكم ومن أجل كثيرين يسفك، ويعطى لغفران الخطايا وللحياة الأبدية» فعندما يقول «بارك» يرسم علامة الصليب بيده اليمنى فوق فم الكأس مرتين، وعندما يقول «وقدّس» يرسم علامة الصليب مرة واحدة فوق فم الكأس، وعندما يقول «خذوا اشربوا منه كلكم» يضع إصبعه فوق فم الكأس ويدنيه من فمه كأنه يشرب منه. وعندما يقول «هذا هو دمي» يحني رأسه وهو يحدّق بالكأس برهبة وتعجب وإكرام، وعندما يقول «يُسكب» يدور فم الكاس مثل التزييح ثم يضعه في محله وحينما يذكر وصية الرب لتلاميذه قائلاً: «اصنعوا هذا لذكري حتى مجيئي» يأخذ الكاهن بيده اليمنى الملعقة ويضعها فوق الوسادة (رمز الرب الجالس على العرش وفي مجيئه الثاني يجلس على كرسي العدالة لدينونة العالم) ويلمس بالملعقة طرف الصينية والكأس بقوة حيث يسمع صوتها، رمز موت الرب يسوع وقيامته ومجيئه الثاني، ويرفعهما فوق كتفه اليمنى ثم يسيرهما بسرعة نحو المذبح ويضعهما عليه عن يمين الكأس، دلالة على أن مجيء الرب يسوع ثانية للدينونة يكون فجأة وبسرعة فائقة مثل وميض البرق الذي يلمع بنوره الباهر ويصحبه الرعد بصوته المدوّي، كقوله له المجد: «لأنه كما أنّ البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان» (مت 24: 27). ويأخذ الكاهن الكوكب ويضعه فوق الاسفنجة الموضوعة على المذبح عن يسار الكأس (وتمثّل الاسفنجة الرحمة)، ويكمل الكاهن قول الرب: «اصنعوا هذا لذكري» (لو 22: 19 و1كو 11: 24و25) ويرتّل الشعب قائلاً: «إننا نذكر موتك يا ربنا ونعترف بقيامتك، وننتظر مجيئك الثاني. لتكن مراحمك علينا جميعاً».

ثم يتلو الكاهن صلاة موجهة إلى الرب يسوع قائلاً: «إننا نتذكر أيها الرب موتك وقيامتك بعد ايام ثلاثة وصعودك إلى السماء وجلوسك عن جانب اللّه الآب الأيمن ومجيئك الثاني الذي تدين فيه المسكونة دينونة عادلة موفياً كل نفس ما عملت، فمن أجل هذا نرفع إليك هذه الذبيحة غير الدموية لكي لا تعاملنا بحسب آثامنا ولا تجازينا بما تستوجبه خطايانا. لكن تغمّد بجزيل رحمتك ذنوبنا نحن عبيدك فإن شعبك يتضرّع إليك مبتهلاً وميراثك يتوسل إليك ومعك لأبيك قائلاً: ارحمنا أيها الإله الآب الضابط الكل» (وإذا كان البطريرك أو أحد المطارنة حاضراً هو يبدأ هذا التضرع) وهنا يبسط الكاهن يديه إلى العلى ويكمل الشعب قائلاً: «ارحمنا أيها الإله الآب الضابط الكل إياك نسبّح وإياك نبارك ولك نسجد، ونبتهل إليك أيها الرب الإله فتعطّف علينا أيها الصالح وارحمنا» ويقول الكاهن سراً: «وأيضاً نحن عبيدك الضعفاء والخطاة نشكرك ونحمدك على رأفتك بنا وجميع مراحمك علينا».

دعوة الروح القدس واستحالة الخبز والخمر إلى جسد الرب يسوع ودمه الأقدسين
بعد أن طلب الكاهن للشعب الرحمة والمغفرة من اللّه، يدعو الكاهن الروح القدس ليحلّ على الخبز والخمر ليستحيلا إلى جسد المسيح ودمه، فالشماس الذي بيده المجمرة يقدّمها إلى الكاهن ليضع البخور ويهزها الشماس وهو يقول جهراً: «ما أرهب هذه الساعة يا أحبائي وما أرعب هذا الوقت الذي فيه ينحدر الروح القدس نازلاً من السموات العالية. ويرف ويحلّ على هذا القربان الموضوع ويقدّسه فبهدوء ومخافة كونوا منتصبين ومصلّين... السلام لجميعنا والأمن لكلنا» والكاهن يتلو سراً وهو يرفّ بيديه فوق الكأس والصينية قائلاً: «ارحمنا أيها الإله الآب وأرسل روحك القدوس المساوي لك ولابنك بالمقام والملك والجوهر والأزلية، الروح الذي نطق (بالأنبياء والرسل) في العهد القديم والجديد وهبط على شبه حمامة على ربنا يسوع المسيح في نهر الأردن وحلّ على الرسل بالعلية بشبه ألسنة نارية».

إننا نؤمن أن استحالة الخبز والخمر إلى جسد الرب يسوع ودمه تتمّ عند تلاوة صلاة استدعاء الروح القدس، لا عند تلاوة آيات الإنجيل المقدس التي تسجّل حادثة تسليم الرب يسوع سرّ جسده ودمه الأقدسين في العلية ليلة آلامه.
بعد انتهاء الشماس من تنبيهه للمؤمنين للخشوع لأن الساعة رهيبة يتلو الكاهن تضرعه للرب باسطاً كف يده اليسرى وقارعاً باليمنى صدره قائلاً: «استجبني يا رب استجبني يا رب استجبني يا رب، أشفق علينا أيها الصالح وارحمنا» ويجيب الشعب: «قوريليسون يا رب ارحم» (ثلاث مرات)، ثم يبسط يده اليسرى ويرف بيده اليمنى على الكأس ويتلو العبارة الآتية: «لكي بحلوله يجعل هذا الخبز جسداً مانحاً الحياة، جسداً خلاصياً، جسد المسيح إلهنا». ثم يبسط كف يده اليسرى ويرف بيده اليمنى على الكأس ويقول: «لكي بحلوله يجعل هذا الخمر دم العهد الجديد، دماً خلاصياً، دم المسيح إلهنا» ويجيب الشعب: «آمين».
التذكارات (الشملايات):
وهي الأدعية الستة التي يتلوها الشماس في أثناء القداس الإلهي ذكراً للأحياء والموتى.
الشملاية الأولى تذكار الآباء الأحياء
يبسط الكاهن يديه ويتلو قائلاً: «لكي تقدّس هذه الأسرار متناوليها نفساً وجسداً...» ويقف الشماس وراء الكاهن وسط المذبح ويتلو الشملاية الأولى وهي الصلاة لأجل رؤساء الكنيسة الروحيين الأحياء البطريرك الأنطاكي السرياني الأرثوذكسي وبطريرك الاسكندرية للأقباط الأرثوذكس ومطران الأبرشية وغيره من المطارنة إن كانوا حاضرين كل واحد بحسب قدم رسامته ويبدأ الشملاية قائلاً: «نصلّي ونتضرّع...» ويختمها قائلاً: «لتكن صلاتهم سوراً لنا...» ويقول الشعب: «وإلى الرب نتضرّع قوريليسون». وأثناء تلاوة الشماس هذه الشملاية يذكر الكاهن سراً أحبار الكنيسة البطريرك باسمه ومطران الأبرشية باسمه والمطارنة الحاضرين والكهنة والشمامسة، ويرسم علامة الصليب على طرف الصينية من الجهة اليمنى عند ذكره كل واحد منهم.
الشملاية الثانية تذكار الإخوة المؤمنين الأحياء
يبسط الكاهن يديه ويقول: «ونجنا ربنا من معاداة الناس الأشرار وهجمة الأبالسة وظلمهم جميعاً ومن كل آفة تصيبنا بسبب خطايانا واحفظنا في سنّة وصاياك المقدسة...» ويقول الشعب: «إلى الرب نتضرّع قوريليسون...» وأثناء ذلك يرسم الكاهن علامة الصليب على الطبليث من الجهة اليمنى خارج الصينية ويذكر من قُدِّم عنهم القداس الإلهي وكُلّف بأن يذكرهم من الإخوة الأحياء: المرضى، والتائبين، والمضطهدين، والمجربين، والمظلومين، والمحتاجين، ويقول سراً: «اذكر يا رب الآباء والإخوة...» ويختم الشماس الشملاية بعبارة «إلى الرب نتضرّع قوريليسون».
الشملاية الثالثة تذكار الملوك المؤمنين
يتلو الكاهن جهراً ما يأتي: «اذكر اللهمّ من ذكرناهم ومن لم نذكرهم وتقبل ذبائحهم في رحاب سمواتك، كافئهم ببهجة الخلاص واجعلهم لعونك أهلاً، عزّزهم بقوتك وسلّحهم ببأسك لأنك إله رؤوف وإليك نهدي حمداً وشكراً وإلى ابنك الوحيد وروحك القدوس الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين» ويتلو الشماس (شملاية تذكار الملوك المؤمنين)، وخلال ذلك يتلو الكاهن سراً: «إذكر يا رب الملوك والملكات المستقيمي الإيمان...» ويرسم علامة الصليب بإبهام يده اليمنى على الطبليث خارج الكأس والصينية وهو يذكر رؤساء البلاد وذلك امتثالاً لوصية القديس بولس القائل: «بأن تُقدم طلبات وتضرعات من أجل جميع البشر والملوك والذين هم في منصب» (1تي 2: 1 ـ 2).
الشملاية الرابعة وهي تذكار العذراء مريم والقديسين
يتلو الكاهن ويداه مبسوطتان قائلاً: «لأنك تخلّص جميع الذين عليك يتّكلون وتعينهم وتؤتيهم نصراً، ونهدي إليك التسبيح والشكران وإلى ابنك الوحيد وروحك القدوس...» ثم يتلو الشماس تذكار العذراء القديسة مريم والقديسين. وخلال ذلك يذكر الكاهن سراً العذراء مريم وهو يرسم علامة الصليب على طرف الصينية من جهة الشرق ويذكر الآباء القديسين والأنبياء وهامتي الرسل مار بطرس ومار بولس ويوحنا المعمدان واسطيفانوس رئيس الشمامسة وبكر الشهداء وجميع الأبرار ويرسم علامة الصليب على طرف الصينية من جهة الغرب عند ذكر كل واحد منهم.
ومما يجدر ذكره هنا أننا بسلطاننا الرسولي رسمنا في 20/10/1987 أن يذكر في كنائسنا في الهند والكنائس المخصصة لعبادة أبنائنا السريان الهنود في جميع أنحاء العالم اسم القديس مار توما الرسول الذي نشر البشارة الإنجيلية في الهند وذلك بعد اسمي الرسولين مار بطرس ومار بولس.
ويختم الشماس الشملاية بقوله: «لتكن صلاتهم معنا وإلى الرب نتضرّع قوريليسون».
الشملاية الخامسة تذكار الآباء والملافنة والنساك القديسين
يتلو الكاهن ويداه مبسوطتان قائلاً: «نبتهل إليك اللهمّ يا من أنت قدير على كل أمر عسير أن تضمّنا إلى جموع الأبكار المكتوبة في السماء فنذكرهم ليذكرونا أمامك ويشاركونا بهذه الذبيحة الروحانية، أمناً للأحياء وتشجيعاً لنا نحن الضعفاء وراحة للموتى المؤمنين آبائنا وإخوتنا ومعلمينا بنعمة ابنك الوحيد ورحمة روحك الكلي قدسه الصالح والمسجود له والمحيي والمساوي لك في الجوهر الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين»، ويتلو الشماس شملاية الآباء: «ولنذكر أيضاً الذين تقدموا فرقدوا بقداسة...» وهنا يذكر آباء المجامع المسكونية الثلاثة: «نيقية وقسطنطينية وأفسس وبعض آباء الكنيسة الراقدين بالرب...». والكاهن خلال ذلك يتلو سراً دعاء يطلب فيه من الرب أن يذكر الرعاة الملافنة الذين نشروا بشارة الرب في المسكونة بدءاً من يعقوب أسقف أورشليم وحتى اليوم. ويرسم الكاهن بإبهام يده اليمنى خارج الطبليث من الجهة اليمنى علامة الصليب كلما ذكر الشماس اسم أحد الآباء القديسين.

ولا بدّ أن نذكر ههنا أنه بناء على اقتراح مجمعنا المكاني المقدس في الهند رسمنا في 20/10/1987 أن يذكر في كنائسنا الخاصة بشعبنا السرياني الأرثوذكسي الهندي في جميع أنحاء العالم أن يذكر بعد ذكر اسم مار أبحاي اسم القديسين البطريرك الياس الثالث والمفريان باسيليوس يلدو والمطران مار غريغوريوس باروميلا.
ويختم الشماس تلاوة الشملاية بقوله: «لتكن صلاتهم معنا إلى الرب نتضرّع قوريليسون».
الشملاية السادسة تذكار الموتى المؤمنين
يتلو الكاهن الصلاة الآتية: «ثبّت في نفوسنا تعليم أئمة الحق الملافنة الذين أذاعوا اسمك القدوس في الأمم والملوك وبني اسرائيل...».
ثم يتلو الشماس: «شملاية تذكار جميع الموتى المؤمنين الذين تقدّموا فانتقلوا من هذا المذبح ومن هذه البيعة وهذا البلد ومن كل البلاد والنواحي...».

أثناء ذلك يتلو الكاهن سرّاً قائلاً: «اذكر يا رب كل طغمة الإكليروس الذين بالإيمان المستقيم...» وهنا يذكر الراقدين على رجاء الإيمان الحقيقي وخاصة الذين من أجلهم قُدِّمت هذه الذبيحة ويرسم بإبهام يده اليمنى على الصينية علامة الصليب عند ذكر اسم كل واحد منهم، فيرسم علامة الصليب في الطرف الأعلى من الصينية عند ذكر القديسة مريم العذراء والدة اللّه ويرسم علامة الصليب في الطرف السفلي من الصينية عند ذكر اسمي القديسين بطرس وبولس وفي الجانب الأيسر عند ذكر بقية القديسين ثم الأيمن عند ذكر الموتى وينهي الشماس الشملاية بطلب الرحمة لهم ثم يقول: «قوريليسون» ثلاث مرات.
ثم يتلو الكاهن جهراً قائلاً: «أيها الرب ربنا إله الأرواح والأجساد اذكر جميع الذين رحلوا عنا وهم على الإيمان المستقيم ونيّح أجسادهم ونفوسهم وأرواحهم منجياً إياهم من الشجب الأبدي. نعّمهم حيث يتلألأ نور وجهك متغمداً ذنوبهم وغير محاكم إياهم لأنه ليس بريء أمامك ممن لبس الجسد سوى ابنك الوحيد الذي بجاهه نحن أيضاً نرجو الحظوة بالرحمة والمغفرة لنا ولهم». فيقول الشماس: «أرِح اللهمّ واغفر وتغمّد خطايانا وخطاياهم التي اقترفناها أمامك بإرادة وبغير إرادة بمعرفة وبغير معرفة» ويقول الكاهن سراً: «نيّح واغفر يا اللّه خطايانا الظاهرة والخفية المكشوفة لديك التي اقترفناها بالفكر والقول والعمل».
ثم يقول الكاهن علناً: «واحفظنا حتى انقضاء حياتنا بغير خطية واجعلنا عند أقدام أصفيائك متى وحيثما وكيفما شئت فقط بدون هوان خطايانا...».
الشماس: « كما أنه كان وهو كائن، هكذا سيبقى إلى دهر الداهرين وفي سائر الأجيال، إلى أبد الآبدين آمين».
ويقول الكاهن: «السلام لجميعكم».
ويجيب الشعب: «ومع روحك أيضاً».
الكاهن يضع إصبعه السبابة ليده اليمنى على طرف الصينية ثم على قاعدة المذبح ويرسم علامة الصليب على ذاته ثم على الجهة اليسرى فالجهة اليمنى، ثم يلتفت إلى الشعب من الجهة اليمنى ويده اليسرى على المذبح (وإذا كان البطريرك أو أحد المطارنة حاضراً ينزل رجله اليمنى من على درجة المذبح) ويقول: «لتكن مراحم اللّه العظيم ومخلصنا يسوع المسيح مع جميعكم إخوتي إلى الأبد» وخلال ذلك يرسم علامة الصليب بيده اليمنى على الشعب. أما البطريرك أو المطران إذا كان أحدهما يحتفل بالقداس فيمسك بيده اليمنى الصليب ويبارك به وبيده اليسرى العكاز والمطران لا يمسك العكاز بحضور البطريرك.
وعند الانتهاء من مباركة الشعب يسدل الستار الذي على باب المذبح ويرتّل الشعب ترنيمة مناسبة ويشرع الكاهن وراء الستار برتبة القصي والرشم أي كسر إحدى القربانات المقدسة وتجزئتها ورشم الجسد المقدس بالدم الأقدس والدم بالجسد. (وإذا كانت في الصينية أكثر من برشانة فيرشمها كلها بالدم الأقدس).

رتبة القصي
إلى عهد البطريرك الأنطاكي مار جورجي (790+) كان الكاهن عند قيامه برتبة القصي يقول: «لحما شمينا قأينن نكسر الخبز السماوي» ولكن بعد أن نشب خلاف في الكنيسة بسبب هذه العبارة أسقطت من طقس القداس واستبدلت بغيرها ثم ألّف مار ديونيسيوس يعقوب ابن الصليبي (1171+) صلاة القصي التي تستعملها كنيستنا بالسريانية حتى اليوم. وهي:
«هكذا بالحقيقة تألّم كلمة اللّه بالجسد، وذبح وكسّر على الصليب وانفصلت نفسه عن جسده إلاّ أنّ لاهوته لم ينفصل قط لا عن نفسه ولا عن جسد. وطعن في جنبه بالحربة وجرى منه دم وماء غفراناً لكل العالم وضمخ بهما جسده المقدس وعادت نفسه واتحدت بجسده ومن أجل خطية العالم كله مات الابن على الصليب وقادنا وأرجعنا من الأعمال الشريرة إلى الأعمال الصالحة وسالم بدم أقنومه ووحد السماويين مع البشر، والشعب مع الشعوب والنفس مع الجسد. وفي اليوم الثالث قام من القبر. واحد هو عمانوئيل ولا ينقسم من بعد الوحدة غير قابلة الانقسام ولا يجزأ إلى طبيعتين. هكذا نؤمن وهكذا نعترف وهكذا نؤيّد أن هذا الجسد هو لهذا الدم وهذا الدم لهذا الجسد».
وفي أثناء القصي أيضاً يتلو الكاهن طلبة من نظم مار يعقوب السروجي (521+) الذي يتخيّل مأساة ذبيح الصليب الرب يسوع المسيح المعلق فوق أعالي الجلجلة خارج المدينة المقدسة، فيخاطب الملفان الآب السماوي الذي هو الحق وكأني به يريد أن يلفت نظره إلى ابنه الذي تألّم وصلب ومات ليفي العدل الإلهي حقه
وهذه ترجمتها العربية: «يا أبا الحق هوذا ابنك قد صار ذبيحة (كفارية) ليرضيك، فاقبل هذه الذبيحة فقد مات (ابنك) من أجلي فليغفر بوساطته ذنبي، واقبل هذا القربان من يدي (أنا الضعيف) وارضَ عني ولا تذكر خطاياي التي اقترفتها ضد جلالك إذ سُفك دم (ابنك) الأقدس على الجلجلة بأيدي الأثمة، وهو يشفع فيّ لديك فاقبل ربنا شفاعته. إن آثامي كثيرة وكثيرة جداً ولكن مهما كانت جسيمة فإن مراحمك أعظم منها يا رب. فلو وزنت هذه المراحم لرجحت على الجبال الرواسي. فانظر يا إلهي تارة إلى الخطايا، وتأمل تارة أخرى في الذبيحة التي تقدّم عنها. إن الذبيحة لأعظم بكثير من الذنوب. فمن أجل خطيتي تحمّل حبيبك المسامير بكفيه وقدميه والحربة بجنبه، فتكفي آلامه أن ترضيك وتهب لي الحياة».

هكذا بإلهام الروح القدس فهم آباء الكنيسة عقيدة الفداء التي تسلّموها من الرسل الأطهار ورأوا في موت ربنا يسوع المسيح على الصليب الوسيلة الوحيدة للخلاص. كما أن قيامته أيضاً حسبما يعلمنا هؤلاء الآباء كانت ضرورية جداً لإثبات صدق رسالته الإلهية وما أنبأ به المسيح تلاميذه وأعداءه عن آلامه المحيية وموته الكفاري على الصليب وقيامته من بين الأموات قبل حدوث ذلك بمدة مديدة. كما أن قيامته من بين الأموات أثبتت قبول أبيه السماوي ذبيحته الإلهية كفارة عن خطايا البشرية.وأعلنت انتصاره على أعداء البشرية الخطية والموت وإبليس اللعين.

كيفية قيام الكاهن برتبة القصي:
عندما يقول الكاهن (هكذا بالحقيقة تألم كلمة اللّه بالجسد) يتناول الجسد المقدس بين أنامل يديه. وعندما يقول (وذبح) يفصل طرف الجسد (البرشانة) الأعلى من الوسط. وعندما يلفظ كلمة (وكسر في الصليب) يفصل الجسد (البرشانة) إلى قطعتين إلا الطرف الأخير. وعندما يلفظ (وانفصلت نفسه عن جسده) يفصل القطعتين عن بعضهما. وعندما يقول (إلاّ أن لاهوته لم ينفصل قط لا عن نفسه ولا عن جسده) يوصلهما ثانية ويأتي بهما إلى فم الكأس ثم يفصلهما عن بعضهما البعض. وعندما يقول (وطعن في جنبه بالحربة) يأخذ النصف الذي بيمينه ويمس بطرفه الدم المقدس ويطعن بهذا الطرف المبلول وسط القطعة التي بيساره. وعندما يقول: (وجرى منه دم وماء) يجعل الطرف المبلول في منتصف القطعة الثانية التي بيده اليسرى ثم في أعلاها ثم في أسفلها ثم عن شمالها ويمينها وذلك ليكون شبه صليب. وعندما يقول (وتضمخ جسده المقدس) يغمس قطعة الخبز بالكأس ويضمخ البرشانة. وعندما يقول (وعادت نفسه واتحدت بجسده) يوحّد النصفين ببعضهما بعضاً. وعندما يقول (عوضاً عن خطية العالم) يديرها نصف دورة نحو شمال المذبح. وعندما يقول (مات الابن على الصليب) يأخذ النصف الثاني الذي بيمينه ويغمس طرفه في الكأس بعد أن يرسم علامة الصليب به فوق الكأس ويأتي به إلى القطعة الثانية يلمسها من أعلاها ووسطها وأخيرها وشمالها ويمينها شبه صليب. وعندما يقول (وردّنا من التصرف الشرير إلى السلوك السليم) يديره نصف دورة نحو يمين المذبح. وعندما يقول (وسالم بدم اقنومه ووحد السماويين مع البشر والشعب (شعب العهد القديم) مع الشعوب والنفس مع الجسد وفي اليوم الثالث) يجعله بين أنامل يديه مقابل صدره. وعندما يقول (قام من القبر) يرفعه فوق أعلى رأسه. وعندما يقول (هكذا نؤمن) ينزله قليلاً. وعندما يقول (وهكذا نعترف) ينزله قليلاً أيضاً. وعندما يقول (وهكذا نقرّ) ينزله إلى أن يصل فوق الصينية. وعندما يقول (بأن هذا الجسد هو لهذا الدم) يضع النصفين بين أصابع يده اليسرى ويفصل من أعلى النصف الأول قطعة ويلقيها في الكأس. عندما يقول (وهذا الدم هو لهذا الجسد) يفصل من أعلى النصف الثاني قطعة يمسّ بها الدم المقدس ويأتي بها ويمسّ محل النصفين اللذين قطع منهما القطعتين.

ويكمّل الكاهن رتبة القصي ويقطع جزءاً من أسفل كل نصف من النصفين، فيجعل البرشانة في الصينية على شكل جسد إنسان مصلوب ويسمى في هذا الشكل الصلبوت. أما في عيد بشارة السيدة العذراء بالحبل الإلهي وعيد الميلاد المقدس وخميس الفصح... فيكون قصي البرشانة مختلفاً عن العادة حيث يقسمها الكاهن إلى نصفين ثم يفصل من أعلى كل منهما قطعة يضع إحداها في الكأس ويغمس الأخرى في الخمر الذي في الكأس المحوّل إلى دم المسيح ويمسح به البرشانة وتسمى في هذا الشكل (آمرا) أي الحمل ويقول: «أنت هو المسيح الإله الذي طعن بالحربة في أعلى الجلجلة في أورشليم من أجلنا». وعندما يقول ذلك يرفع الصينية بيده اليسرى ويأخذ بيده اليمنى القطعة المنفصلة الموضوعة فوق أعلى الجسد المقدس ويأتي بها إلى فم الكأس ويرسم بها علامة الصليب ويغمسها في الصينية مبتدئاً من اليمين وينتهي إلى الشمال بشكل صليب. ويكمل قائلاً (أنت هو حمل اللّه الرافع خطايا العالم، امحُ ذنوبنا واغفر خطايانا وأقمنا عن جانبك الأيمن) ويقوم بنفس ما قام به سابقاً ولكن يبتدئ في هذه المرة من الشمال وينتهي إلى اليمين ثم يضع قطعة الجسد موضع الرأس ويضع الصينية في محلها ويغسل أنامله بالماء الموضوع بالطاسة وينشّفها.

وأثناء رتبة القصي التي يقوم بها الكاهن سراً في المذبح والستار قد أسدل يرتل الشعب أو الشمامسة ترتيلة (لوطونيا) القاثوليق وفق ما يناسب ذلك اليوم أو العيد أو التذكار كما هو معين في كتاب الطقس المختص بالشمامسة.
بعد الانتهاء من رتبة القصي يقول الشماس: «إلى الرب نتضرّع...» ويفتح الستار من على باب الهيكل، فيبدأ الكاهن يتلو الصلاة التي تتقدم تلاوة الصلاة الربية باسطاً يديه وقائلاً: «اللهم يا أبا ربنا... ونصلي قائلين أبانا الذي في السموات» (إذا كان البطريرك أو مطران حاضراً هو الذي يفتتح الصلاة بقوله: «أبانا الذي في السموات») فيكمّل الشعب: «ليتقدّس اسمك ليأتِ ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض، أعطنا خبزنا كفافنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا كما نحن نغفر لمن أخطأ إلينا ولا تدخلنا في التجربة لكن نجنا من الشرير» وتختم كنيستنا السريانية الصلاة الربية بعبارة: «لأن لك الملك والقوة والتسبحة إلى أبد الآبدين آمين» وهذه العبارة وهي مدوّنة في إنجيل متى بالسريانية بحسب الترجمة البسيطة، كما هي موجودة في الترجمة العربية (مت 6: 13).
وبعد تلاوة الصلاة الربية يدعو الكاهن اللّه تعالى لينجيه وينجّي الشعب من التجارب قائلاً: «أجل أيها الرب إلهنا لا تمتحنا بما لا نقوى على احتماله لكن نجّنا من الشرير ممهداً لنا من المحنة خلاصاً، فنسبحك ونشكرك وابنك الوحيد وروحك الكلي قدسه الصالح والمسجود له والمساوي لك في الجوهر...».
ويقول الشماس: «آمين».
ويقول الكاهن: «السلام لجميعكم» وهو يشير بيده اليمنى من فوق كتفه إلى الشعب ليحييه.
ويجيب أحد الشمامسة بالنيابة عن الشعب قائلاً: «عم روحا ديلك من قدم نسيبوةا دآإزا ؤلين قدًيشا وءلؤًيا دآةقربو. ةوب قدم مريا مرحمنا إيشين نركن قدميك مرن وءلؤن. ومع روحك أيضاً، قبل تناول هذه الأسرار المقدسة الإلهية التي قدمت فلنحنِ هاماتنا أمام الرب الرحيم، أمامك يا ربنا وإلهنا».
ثم يرفع الكاهن هذا الدعاء إلى اللّه قائلاً: «أمامك طأطأ رؤوسهم عبيدك المترجون رحمتك الجزيلة فاسبغ يا رب بركاتك وقدّس أجسادنا ونفوسنا وأرواحنا جميعاً وأهّلنا لتناول أسرار المسيح مخلصنا المحيية فنحمدك ونشكرك وابنك الوحيد وروحك القدوس...».
يؤيّد الشعب ويشارك الكاهن بهذا الدعاء قائلاً: «آمين».
ويحيي الكاهن الشعب قائلاً: «السلام لجميعكم» وهو يشير إليه بيمينه من فوق كتفه اليسرى.
ويجيب الشعب قائلاً: «ومع روحك أيضاً».

ثم يضع الكاهن إصبعه على فم الكأس ثم الصينية ثم المائدة، ويرسم علامة الصليب على ذاته ثم على جهة اليسار ثم على جهة اليمين ويلتفت نحو جهة اليمين إلى الشعب ويباركه بقوله: «لتكن نعمة ومراحم الثالوث الأقدس الممجد وغير المخلوق، الأزلي السرمدي، المسجود له المتساوي في الجوهر مع جميعكم إخوتي إلى الأبد».

ثم يمسك شماسان شمعتين موقدتين ويقفان على جانبي مائدة الحياة، ويبدأ أحدهما الترتيل قائلاً: « بارك يا سيدي، لنتطلّع بروح العبادة والورع» فيجيب الآخر: «ترحّم يا رب علينا وارحمنا» يقول الكاهن: «الأقداس للقديسين والأنقياء فقط» (حينئذ يمجّد الشماسان الثالوث الأقدس وكأني بهما يعلنان أننا لا نستحق حقاً أن نتناول الأقداس ولكننا لا نتكل على برّنا الذاتي بل على قداسة الثالوث الأقدس مقدسنا) ويرفع الكاهن الصينية بيديه حتى مستوى وجهه ويدوّرها من اليسار إلى اليمين وخلال ذلك يقول أحد الشماسين الواقفين على جانبي مائدة الحياة: «آب واحد قدوس» ويحرك الكاهن الصينية إلى الشرق ثم إلى الغرب والشمال والجنوب على شبه صليب ثم يدورها من اليسار إلى اليمين، ويقول الشماس الآخر: «ابن واحد قدوس» فيحرك الكاهن الصينية ثانية على شبه صليب. وعندما يقول الشماس: «روح واحد قدوس» يضع الكاهن الصينية على الطبليث ويمسك الكأس ويحركه على شبه صليب ثم يدوّره وعندما يقول الشماس: «آمين بارك يا سيد، المجد للآب والابن والروح الحي القدوس» يحرك الكاهن الكأس على شبه صليب. ثم يأخذ الصينية بيده اليمنى والكأس بيده اليسرى ويضع يده اليمنى فوق يده اليسرى ويقول: « واحد هو الآب القدوس معنا الذي خلق العالم برحمته» ويقول الشعب: «آمين». ويكمل الكاهن قائلاً: «واحد هو الابن القدوس معنا الذي خلّص العالم بالآلام الجليلة التي تحمّلها بذاته»، الشعب: «آمين». ثم « واحد هو الروح القدس مكمّل جميع ما كان ويكون، ليكن اسم الرب مباركاً من الآن وإلى أبد الآبدين»، الشعب: «آمين».
ثم يغطي الكاهن الصينية والكأس وينزل من درجة المذبح ويقبّل يمين البطريرك أو المطران إن وجدا ويقف أمام مائدة الحياة.

ثم تقدّم العظة وبعدئذ يقبل الكاهن الإنجيل ويمين البطريرك أو المطران إن وجدا وينحني أمام مائدة الحياة ويبسط يديه ويضعهما على صدره ثلاثاً قائلاً: «إخوتي وأحبائي» ونحو الشعب والشمال ويأتي ويجثو أمام مائدة الحياة ويتلو صلاة توبة وتضرع قبل أن يتناول القربان المقدس: ثم يرتقي الدرجة مقبّلاً مائدة الحياة في وسطها وجانبيها ويسدل الشماس الستار على باب المذبح، ويرفع الكاهن غطاءَيْ الصينية والكأس ويأخذ الملعقة بيده اليمنى والوسادة بيده اليسرى ويخرج من الكأس قطعة الجسد المقدس التي ندعوها جمرة التي كان قد وضعها في الكأس أثناء القصي ويتناولها واضعاً الوسادة تحت الملعقة أثناء التناول احترازاً منه لئلا يتناثر ويسقط من (الجمرة) ـ أي قطعة الجسد ـ شيء على المذبح. ثم يأخذ من الصينية بالملعقة القطعة المفصولة عن الجسد العالية، ويلقيها في الكأس ويملأ الملعقة من الدم المقدس ويدنيها من فمه والوسادة تحتها ويتناولها وهو يتلو قائلاً: «بدمك» وإذا وجد كهنة أو شمامسة أو رهبان مستعدون للمناولة فيناولهم. يتناول الكاهن من القربان أولاً أسوة بتناول الرب يسوع من سر جسده ودمه الأقدسين قبل تلاميذه.

وبعدئذ يقول الكاهن: «لنهتف ونقول» ثم يرفع الشماس الستار عن باب المذبح ويتلو الشماس قائلاً: «مسجود وممجد الآب والابن والروح القدس من الأزل وإلى دهر الداهرين له المجد هاليلويا». الشماس الآخر: «صرخ العلويون».

يلتفت الكاهن نحو الشعب وبيمينه الصينية وبيساره الكأس وينزل من على الدرجة من الجهة اليسرى جاعلاً يمينه فوق شماله شبه صليب وهو يقول: «من مذبحك الغافر ينحدر الغفران لعبيدك يا ابن اللّه يا من أتيت من أجل خلاصنا وعتيد أن تأتي أيضاً من أجل انبعاثنا وتجديد جنسنا إلى أبد الآبدين». يقول الشعب: «آمين» ثم يقول الكاهن: «ابسط أيها الرب الإله يمينك غير المنظورة وبارك هذا الجمع الساجد الذي يتناول جسدك ودمك الثمين للحظوة بغفران الذنوب والصفح عن الخطايا وبياض الوجه أمامك ربنا وإلهنا إلى أبد الآبدين آمين» وهنا يبسط يديه ويعمل بيمينه علامة الصليب، ثم يقول الكاهن: «لتكن مراحم اللّه العظيم على حاملي هذه الأسرار وعلى مناوليها ومتناوليها وعلى كل من تعب واشترك فيها في العالمين إلى أبد الآبدين آمين».

ثم يبسط الكاهن يديه ويقول: «سبحانك سبحانك ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح إلى الأبد سبحانك، جسدك المقدس الذي أكلناه ودمك الغافر الذي شربناه لا يكونا لنا دينونة وانتقاماً بل حياة أبدية وخلاصاً لنا جميعاً وارحمنا» وبعد الانتهاء من ذلك يلتفت نحو مائدة الحياة.

الشماس: «آمين».
الكاهن: «السلام لجميعكم».
الشماس: «ومع روحك أيضاً، بعد تناول هذه الأسرار المقدسة الإلهية التي وهبت لنا فلنطأطئ رؤوسنا أمام الرب الرحيم، أمامك يا ربنا وإلهنا».
الكاهن: «أيها الإله العظيم الذي تُحارُ فيه العقول يا من طأطأ السموات منحدراً في سبيل خلاص جنسنا البشري، أشفق علينا وارحمنا لكي نسبحك دائماً ممجدين اللّه الآب والدك وروحك القدوس الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين».
الشعب: «آمين».
الكاهن يلتفت نحو الشعب ويرسم علامة الصليب ويصرف المؤمنين وهو يقول: «امضوا بسلام يا إخوتنا وأحباءنا إذ نستودعكم لنعمة الثالوث الأقدس ورحمته مع الزوادة والبركات التي أخذتموها من مذبح الرب الغافر (اذهبوا جميعكم بسلام) البعيدين منكم والقريبين، الأحياء منكم والموتى (أي أرواح المنتقلين إلى السماء التي تحضر القداس الإلهي كما كانت معتادة يوم كانت ضمن الأحياء بالجسد) المخلّصين بصليب الرب المنتصر والموسومين بسمة المعمودية المقدسة، فليغفر الثالوث الأقدس خطاياكم وخطايا أمواتكم وأنا عبد اللّه الضعيف والخاطئ أنال عوناً ورحمة بدعواتكم. اذهبوا بسلام مبتهجين ومسرورين وصلوا لأجلي».

ثم يناول الكاهن القربان المقدس للراغبين بالتناول والمستعدين جسداً وروحاً لذلك، ثم يتناول الكاهن ما بقي من القربان بعد أن يضع جزءاً منه في (بيت القربان) على المذبح محتفظاً به ليناول من يحتاج إلى التناول من المرضى في دورهم. وكان المؤمنون في الماضي إذ يشتركون بالقداس الإلهي يشتركون أيضاً بتناول القربان المقدس.

وكان المؤمنون قديماً يتناولون القربان المقدس قبل الرفعة الأخيرة أي قبل أن يقول الكاهن: «سبحانك سبحانك...، جسدك المقدس الذي أكلناه ودمك الغافر الذي شربناه لا يكونا لنا دينونة وانتقاماً بل حياة أبدية وخلاصاً لنا جميعاً وارحمنا»، وابتدأت هذه الممارسة تعود إلى طقس القداس في بعض كنائسنا، وهذا جيد.