الجمعة, 25 نيسان 2014    |     الرئيسية    اتصل بنا
زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > بحوث و دراسات > التراث السرياني > الســريـــان والإسلام تـــــاريخ مشتـــرك
الســريـــان والإسلام تـــــاريخ مشتـــرك
بقلم قداسة البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص

لا بدّ لنا ونحن نتناول بالبحث هذا الموضوع المهم من أن نستعرض باختصار الوضع السياسي والديني، قبيل ظهور الإسلام، في المناطق التي نشأت فيها الكنيسة السريانية منذ فجر المسيحية، والأماكن التي نشأ فيها الإسلام وانتشر بعد نيف وستمائة سنة، لنتوصل إلى معرفة أفضل عن ملتقى الفريقين السرياني والإسلامي في الخطوط العريضة لتاريخهم المشترك ولبعض عقائدهم الدينية.

من السريان؟
السريان اليوم هم أعضاء كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسيّة، السلالة المباشرة لأجدادهم السكان الأصليين لبلاد سوريا ولبنان وفلسطين وآسيا الصغرى وما بين النهرين العليا والسفلى أي العراق. وكانت لغتهم الآرامية السريانية لغة سوريا القديمة التي تكلّمها السيد المسيح. وهي اللغة التي كانت مهيمنة على تلك المنطقة عند ظهور الإسلام، وإلى جانبها اللغة العربية التي كانت لغة القبائل العربية النازحة من الجزيرة العربية والمستقرة في إطاراتها العشائرية منذ أمد بعيد في المناطق الشرقية من سورية والمناطق الغربية والشمالية من العراق. واستعملت تلك القبائل إلى جانب لغتها العربية اللغة السريانية في الطقس الكنسي، بحكم كونها جزءاً لا يتجزأ من كنيسة أنطاكية السريانية. وإلى جانب هاتين اللغتين كانت هناك اللغة اليونانية، اللغة الرسمية للدولة البيزنطية المستعمرة لتلك البلاد ولغة بعض سكانها الذين هم من أصل إغريقي، وكانوا قاطنين في المدن السورية الكبرى، أما اللغة الفارسية فقد كانت لغة الدولة الساسانية.
أجل وبعد أن حمل السريان مشعل الإنجيل المقدس إلى أماكن عديدة من العالم، استعمل السريان من الهنود اللغة السريانية في صلواتهم كما ترجموا الطقوس السريانية إلى المليالم لغة جنوب الهند التي هي اليوم ولاية كيرالا، ونقل السريان الهنود هذا الطقس الديني إلى المهجر وإلى حيثما حلوا في العالم.

انقسام الكنيسة المسيحية على ذاتها:
أطلّ القرن السابع للميلاد على كنيسة أنطاكية السريانية وهي تكافح باذلة قصارى جهدها في الحفاظ على كيانها، وما ورثته من آبائها من تراث سرياني آرامي وعقائد مسيحية سمحة، تسلمتها من تلاميذ السيد المسيح الأطهار وآبائها الروحيين الأبرار، وقد أنهكت قواها الاضطهادات العنيفة التي أثارها ضدها اليهود والممالك الرومانية والبيزنطية والفارسية منذ أجيال بحكم موقعها الجغرافي، فقدمت عدداً غفيراً من الشهداء عبر العصور، وهكذا تمرّس أبناؤها على تحمل المشقات في سبيل التمسك بالعقيدة الدينية. كما أن ظهور الآراء المتطرفة في قضايا الدين وتفاقم الجدال الديني العقائدي، كل ذلك صار دافعاً لهم إلى التعمق بدراسة علم اللاهوت، وحافزاً للعلماء إلى التتبع الفلسفي، فاقترن علم اللاهوت بالفلسفة التي أضحت سلاحاً لدحض المزاعم الباطلة وللدفاع عن صحة العقائد الدينية، وقد اشتهر السريان بمحبتهم العلم، حتى أنهم كانوا يؤسسون إلى جانب كل كنيسة مدرسة، ولما ازدهرت الرهبانية كانت الأديرة بمثابة كليات لدراسة العلوم اللاهوتية وغيرها.
وكانت الكنيسة المسيحية قد انقسمت على ذاتها، وأضحت في أماكن عديدة ميدان حروب مذهبية لا هوادة فيها، فولّدت الشكوك وأضعفت الإيمان في قلوب المؤمنين. كما أن الإمبراطورية الرومانية كانت بعد وفاة قسطنطين الملك الذي تنصر في أوائل القرن الرابع للميلاد قد انقسمت إلى معسكرين: المعسكر الغربي، وكانت لغته اللغة اللاتينية، والمعسكر الشرقي، الذي بدا إغريقياً بلغته وثقافته، فدُعيت مملكته بالمملكة البيزنطية، وكانت أغلب مناطق الكنيسة السريانية بحكم موقعها الجغرافي خاضعة لهذه المملكة البيزنطية، أما بقية مناطقها فكانت خاضعة للإمبراطورية الفارسية التي كانت لغتها الرسمية اللغة الساسانية.
وكانت الدولتان البيزنطية والفارسية على طرفي نقيض وتتنازعان السلطة والسيادة على الشرق، الأمر الذي سبّب استمرار الحروب بينهما.

قانون الإيمان المسيحي:
كانت الكنيسة المسيحية على أثر ظهور بعض الآراء الدينية الغريبة عن تعاليمها السامية قد أعلنت قانون إيمانها في المجمعين المسكونيين، مجمع نيقية المنعقد عام 325م، ومجمع القسطنطينية المنعقد عام 381م، وفي هذين المجمعين حددت أيضاً المناطق الجغرافية الخاضعة دينياً للكراسي الرسولية الثلاثة: روما والإسكندرية وأنطاكية، ثم للكرسي الرابع كرسي القسطنطينية، وأعلنت في المجمع الأخير أيضاً امتيازات هذه الكراسي الدينية الرسولية بناءً على موقعها الجغرافي ومدى قربها من مركز السلطة المدنية السياسية.

انقسام الكنيسة السريانية على ذاتها:
كانت التنافرات المذهبية بين المسيحيين قد بلغت اوجها، نتيجة الشقاق الذي صدّع جوانب الكنيسة المسيحية عامة والكنيسة السريانية خاصة على أثر مجمع أفسس المسكوني الثالث المنعقد عام 431م، والذي حرم نسطور، لزعمه «أن المسيح ذو أقنومين وطبيعتين منفصلتين» فالذين أخذوا بزعم نسطور من السريان ولم يخضعوا لقرارات مجمع أفسس سمّوا نساطرة، فأثارت المملكة البيزنطية الاضطهاد ضدهم فهربوا إلى مناطق المملكة الفارسية في ما بين النهرين السفلى، وبهذا انقسمت الكنيسة السريانية إلى اثـنتين، فالذين كانوا قاطنين غرب نهر الفرات سمّوا سرياناً غربيين، وكانوا خاضعين دينياً للبطريرك الأنطاكي مباشرة. والذين سكنوا شرق نهر الفرات في مناطق العراق سُمّوا سرياناً شرقيين، وأغلبيتهم من النساطرة، ويُستثنى منهم السريان الأرثوذكس الخاضعون للكرسي الرسولي الأنطاكي. وعلى أثر هذا الانقسام الجغرافي، برز انقسام في اللغة السريانية أيضاً إلى لهجتين غربية وشرقية. وتحمّل السريان الأرثوذكس الضيقات من المملكة الفارسية، ليس فقط لكونهم مسيحيين، بل أيضاً لكون وجود رئاستهم الروحية في أنطاكية عاصمة سوريا القديمة ضمن المنطقة الخاضعة للمملكة البيزنطية عدوّة المملكة الفارسية، فكانوا يتّهمون بولائهم لأعداء الفرس. وعلى أثر تبنّي الدولة البيزنطية قرارات مجمع خلقيدونية المنعقد عام 451م، فقد أثارت هذه الدولة اضطهادات عنيفة ضدّ رافضي تلك القرارات، وفي مقدّمتهم أتباع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، التي تحمّل إكليروسها وشعبها معاً صنوف العذاب من نفي وسجن وقتل، فاستشهد منهم عدد كبير.
ومن جملة هذه الاضطهادات، الاضطهاد العنيف الذي أثاره يوسطينوس الأول على أثر جلوسه على عرش الإمبراطورية البيزنطية عام 518م ضد أتباع الكنائس السريانية والقبطية والأرمنية، فاضطر البطريرك السرياني الأرثوذكسي مار سويريوس الكبير إلى مغادرة كرسيه البطريركي في أنطاكية واللجوء إلى مصر حيث أقام زهاء عشرين سنة في دار مؤمن قبطي يدبّر الكنيسة بوساطة نوابه ورسائله.
ولمّا ورث يوسطينيان عمه يوسطينوس سنة 527م على عرش بيزنطية ومعه تيودورة زوجته ابنة قسيس منبج السرياني الأرثوذكسي في سورية، عطفت هذه على رجالات كنيستها السريانية المضطهدين المنفيين والمسجونين في القسطنطينية، ولكنها لم تقوَ على إيقاف الاضطهاد لأسباب سياسية وإدارية حيث اتّهم اتباع عقيدة المجمع الخلقيدوني زوجها بالتحيّز للمنفيين انصياعاً لرغبتها.
وكان العرب الغساسنة في سورية قد شكّلوا إمارة مهمة، وكان قياصرة الروم قد أسندوا إلى أمرائهم آل جفنة عُمالة سوريا، فكانوا يحمون الحدود البيزنطية من هجمات القبائل العربية الموالية للفرس، وكان الغساسنة متمسكين بكنيستهم السريانية، ويدافعون عن عقائدها، فبناء على طلب ملكهم الحارث بن جبلة من الإمبراطورة تيودورة إرسال أساقفة إلى المقاطعات الخاضعة للإمبراطورية البيزنطية، طلبت الملكة تيودورة ذلك من ثيودوسيوس البطريرك الإسكندري المنفي في القسطنطينية، فقام هو وانتيموس بطريرك القسطنطينية وبعض الآباء برسامة الراهب يعقوب البرادعي مطراناً على الرها وبلاد الشام وآسيا الصغرى، والراهب تيودور العربي مطراناً على العرب ومركزه بصرى، وكان ذلك سنة 543م. فشمّر مار يعقوب من ثمّ عن ساعد الجد وأخذ يتنقل من مدينة إلى أخرى سيراً على قدميه بسرعة فائقة عجيبة، متنكراً، متخفياً، والسلطات البيزنطية تلاحقه، فطاف بلاد الشام وأرمينية وآسيا الصغرى وقبرص ورودس وخيوس ومصر والحبشة وبلاد ما بين النهرين وفارس وغيرها، مثبتاً المؤمنين على الإيمان الأرثوذكسي، وكان قد اهتمّ برسامة أسقفين اشتركا معه برسامة سبعة وعشرين أسقفاً طبقاً للقانون الكنسي. وثبّت أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية والكنيستين القبطية والأرمنية على الإيمان الذي أقرّته المجامع المسكونية الثلاثة المنعقدة في نيقية عام 325، وقسطنطينية عام 381، وأفسس عام 431. ورسم آلاف الكهنة والشمامسة. وهكذا توطّدت أركان الكنيسة السريانية بفضل هذا المجاهد الرسولي العظيم، مما حدا بأعدائها أن ينعتوها بغضاً وعدواناً باسم اليعقوبية، وهي مع افتخارها بمار يعقوب البرادعي ـ تستنكر هذا النعت وتعتبره دخيلاً، لأن مار يعقوب لم يؤسسها، ولم تتسلم منه عقيدة جديدة أو مذهباً مستحدثاً، إنما هو أحد آبائها الروحيين الأبطال الذين ثبتوا أبناءها على إيمانهم القويم الذي تسلمته من تلاميذ السيد المسيح الأطهار والآباء الأبرار، وإن موقف مار يعقوب بوجه الظلم البيزنطي وطغيانه كان وما يزال موضع فخر الكنيسة السريانية فقد أنقذها من الاستعمار البيزنطي وثبتها على هويتها الحقيقية فهي سريانية أي كنيسة سورية الأصلية.
ولابدّ أن نذكر ههنا أنه في أوائل القرن السابع اعتلى عرش الإمبراطورية الرومانية الشرقية (610ـ 641م) الإمبراطور هرقل، فبعد أن انتصر على الفرس واستولى على الجزيرة وما بين النهرين ودخل سوريا عام 612 واستولى على دمشق عام 629، حينذاك أخذ يسعى لإعادة الوحدة الدينية إلى الإمبراطورية، ليوحّد السريان والأقباط والأرمن مع البيزنطيين، واستخدم لذلك أساليب الوعد حيناً والوعيد والقمع الشديد أغلب الأحيان، فاستشهد منهم عدد لا يحصى لعدم الانصياع إلى رغبته.
ولم تنته اضطهادات المملكة البيزنطية للكنيسة السريانية إلا بظهور الإسلام، حيث خرجت موجة من الذين دانوا به من الجزيرة العربية وحررت بلاد المشرق من حكم البيزنطيين والفرس في النصف الاول من القرن السابع للميلاد بالتعاون مع أتباع الكنيسة السريانية سكان البلاد الأصليين الذين كانوا موجودين في تلك المناطق منذ أجيال سحيقة، وكان بعضهم من أبناء القبائل العربية الذين يمتّون بصلة الدم واللغة والتاريخ إلى العرب المسلمين. فلّما دخل العرب المسلمون سوريا استقبلهم السريان بفرح واعتبروهم منقذين جاءوا ليخلصوهم من نير البيزنطيين الذين حاولوا إذابتهم في كنيستهم البيزنطية التي اعتبرت كنيسة الدولة الرسمية. فبالتعاون مع العرب المسلمين تمكن السريان من المحافظة على عقيدتهم الدينية، وكرسيهم الرسولي الأنطاكي وكنائسهم وأديرتهم وتراثهم وطقوسهم الدينية السريانية.

موقف السريان من الفتح العربي الإسلامي:
نستنتج مما سبق بأن النزاعات الدينية في الكنيسة المسيحية وتبنّي السلطة البيزنطية حماية فئة خاصة، وفرضها قرارات مجمع خلقيدونية على الكنائس المسيحية بالقوة، وإثارتها الاضطهادات العنيفة من نفي وتشريد وسجن وقتل، كل هذه الممارسات غير الإنسانية خلقت روح الكراهية والنفور في قلوب السريان تجاه السلطة البيزنطية، كما أن السلطة الفارسية كانت تضطهد المسيحيين عامة الذين في مملكتها من سريان غربيين وشرقيين، محاولة إخضاعهم إلى سياستها المجوسية التعسفية واعتناق دينها المجوسي، لذلك فالسريان سواء كانوا تحت الحكم البيزنطي أو الفارسي استقبلوا العرب المسلمين الفاتحين كمحرّرين، وكانت آمالهم كبيرة بالتخلّص من نير المستعمرين الفرس والبيزنطيين ليس من محنتهم الدينية فقط، بل أيضاً من الضرائب الباهظة التي وضعت على كاهلهم، فقالوا: «نحمد الله الذي خلّصنا من حكم البيزنطيين الظالمين وجعلنا تحت حكم العرب المسلمين العادلين».

حالة العرب الدينية عند ظهور الإسلام:
كانت أحوال العرب الدينية مشوشة غير منظّمة، وكانت بعض قبائلهم وثنية صرفة، وكان انقسام المسيحية على ذاتها قد شغلها عن الاهتمام بنشر بشارة الإنجيل، لذلك كانت الفرصة سانحة لظهور الإسلام في الجزيرة العربية في ذلك العصر، ولابدّ أن نذكر ههنا بأن بعض سكان الجزيرة العربية عند ظهور الإسلام كانوا يتبعون مذهب إبراهيم الخليل اسماً لا فعلاً. ويذكر التاريخ بأن النصرانية قد دخلت الجزيرة منذ القرن الأول للميلاد، وكانت المسيحية قد انتشرت بقوة في عدد كبير من القبائل العربية عبر بادية الشام والعراق وهيأت لتقبل الإسلام بعدئذ، كقبائل ربيعة وبني تغلب وبني كلب، كما تنصر من اليمن طي وبهراء وسليخ وتنوخ وغسان وغيرها.
وكان مذهب آريوس الذي حرمه مجمع نيقية عام 325م ومذهب نسطور الذي حرمه مجمع أفسس عام 431م منتشرين بين المسيحيين هناك. كما كانت المزاعم الدينية غير السليمة لبعض الأحباش من الخارجين على معتقدات كنيستهم الأرثوذكسية قد تسرّبت باسم المسيحية إلى بعض مناطق الجزيرة العربية.
واشتهر في الجزيرة العربية في أواخر القرن السادس وأوائل السابع للميلاد قُسّ بن ساعدة الأيادي أسقف نجران الذي دُعي حكيم العرب، وخطيبها وشاعرها، وورقة بن نوفل بن أسد (توفي حوالي سنة 611م) أسقف مكة، التي كانت مليئة بالنصارى، وهو ابن عم خديجة بنت خويلد زوجة الرسول العربي الكريم، وكانت غالبية مكة واليمن ونجران من السريان الأرثوذكس كما كانت غالبية قريش أيضاً من النصارى. ومهما كانت عقائد أولئك النصارى في الجزيرة العربية، فقد كان لهم تأثير كبير على العرب المسلمين هناك، وعلينا ألا ننسى بأن العقائد الدينية الرئيسة في المسيحية والإسلام متقاربة، مثل الإيمان بالله الواحد الأحد، خالق السموات والأرض، والإيمان باليوم الأخير يوم البعث والنشور والدينونة والحياة الأبدية والجنة وجهنم... وإلخ. كما أن حوادث تاريخية دينية لدى السريان ذكرها القرآن الكريم مثل حادثتي أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود.
فحادثة أصحاب الكهف التاريخية التي جرت آية للناس فيها أثبت الله تعالى للعالم أن بإمكانه وهو الخالق أن يبعث الموتى يوم النشور، قد وصلت إلينا بلغة سريانية أصيلة نثراً ونظماً، وتعتبر ضمن التقليد السرياني، وقد تناولتها أقلام مؤرخينا الثقات كزكريا الفصيح (+536) ويوحنا الأفسسي (+587) والراهب الزوقنيني (+775) وغيرهم، تناولوها بالدرس والتمحيص بأسلوب سهل ممتنع ونزاهة تامة. كما نظم فيها القديس الملفان مار يعقوب السروجي (+521) قصيدة سريانية عصماء على الوزن السباعي تقع في أربعة وسبعين بيتاً، وكانت الكنيسة تعيّد لهم في 24 تشرين الأول من كل عام، ولهم طقس بيعي خاص يثبت صحة رقادهم وانبعاثهم.
كما ذكر القرآن الكريم أيضاً أصحاب الأخدود وهم الشهداء الحميريون عرب نجران النصارى السريان الأرثوذكس مذهباً، الذين اضطهدهم مسروق اليهودي الذي يُدعى ذو نؤاس، وعذّبهم فنالوا إكليل الشهادة.

محمد الرسول العربي الكريم في نظر بعض علماء الكنيسة السريانية:
لم يتناول عالم سرياني سيرة محمد الرسول العربي الكريم إلا واعترف بفضله وكرم أخلاقه، ومن جملة هؤلاء العلماء العلامة مار غريغوريوس يوحنا ابن العبري مفريان المشرق (+1286)، الذي لخّص ترجمة حياة الرسول العربي الكريم في كتابه تاريخ مختصر الدول، الذي ألّفه بالعربية
قائلاً: «(محمد بن عبد الله عليه السلام) ذكر النسابون أن نسبته ترتقي إلى إسماعيل ابن إبراهيم الخليل الذي ولدت له هاجر... وكانت ولادة (محمد عليه السلام) بمكة سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة للإسكندر (التي تصادف سنة 571م) ولما مضى من عمره سنتان بالتقريب مات عبد الله أبوه وكان مع أمه آمنة بنت وهب ست سنين. فلما توفيت، أخذه إليه جدّه عبد المطلب وحنا عليه. فلما حضرته الوفاة، أوصى ابنه أبا طالب بحياطته، فضمّه إليه وكفله. ثم خرج به وهو ابن تسع سنين إلى الشام. فلما نزلوا بصرى، خرج إليهم راهب عارف اسمه بحيرا من صومعته وجعل يتخلل القوم حتى انتهى إليه، فأخذه بيده وقال: سيكون من هذا الصبي أمر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها، فإنه حيث أشرف، أقبل وعليه غمامة تظلله. ولما كان له من العمر خمس وعشرون سنة، عرضت عليه امرأة ذات شرف ويسار اسمها خديجة، أن يخرج بمالها تاجراً إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره.

فأجابها إلى ذلك، وخرج. ثم رغبت فيه وعرضت نفسها عليه فتزوجها وعمرها يومئذ أربعون سنة. وأقامت معه اثنتين وعشرين سنة إلى أن توفيت بمكة. ولما كمل له أربعون سنة أظهر الدعوة. ولما مات أبو طالب عمّه، وماتت أيضاً خديجة زوجته أصابته قريش بعظيم أذى. فهاجر عنهم إلى المدينة وهي يثرب. وفي السنة الأولى من هجرته احتفل الناس ونصروه على المكيين أعدائه... وفي السنة العاشرة حجّ حجة الوداع، وفي هذه السنة وعك عليه السلام ومرض وتوفي في يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر. وكان عمره بجملته ثلاثاً وستين سنة... ولما توفي، أراد أهل مكة من المهاجرين ردّه إليها لأنها مسقط رأسه. وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته. وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء. ثم اتفقوا على دفنه بحجرته حيث قبض». (انتهى كلام العلامة المفريان ابن العبري).

وزيادة بالإيضاح نضيف إلى ما سبق أن الرسول العربي الكريم خرج إلى مواسم العرب لنشر الإسلام فآمن به كثيرون. واضطر إلى المهاجرة إلى المدينة تجنّباً من شدة أذى قريش له، فرحّب أهل المدينة به ونصروه. ثم اضطر لتجريد السيف لحماية الدعوة فجهّز السرايا وقاد الغزوات. ومن الغزوات المهمة غزوة بدر الكبرى، إذ انتصر فيها المسلمون انتصاراً باهراً، ومن حسنات الإسلام افتداء الأسرى بالتعليم فقد جعلوا افتداء كل أسير من قريش أن يعلم القراءة والكتابة لعشرة صبيان من المدينة، أما الأغنياء فقد فداهم أهلهم بالمال. وفي كل فتوحاته وتحريره البلاد كان الرسول العربي الكريم يوصي جيشه قائلاً: «إنكم ستجدون رجالاً حبسوا أنفسهم في الصوامع فلا تتعرضوا لهم ولا تقتلوا امرأة، ولا صغيراً ولا فانياً، ولا تقطعوا شجراً». هكذا أراد الرسول العربي الكريم أن ينشر الدعوة بالتآخي وعلى مناخ العدل وحفظ حرية الناس وحقوقهم كبشر. وإن من يدرس القرآن الكريم بإمعان، تنجلي أمامه الحقيقة الواضحة ألا وهي أن الرسول العربي الكريم لم يُرسل لإجبار الناس وإكراههم على الإسلام، والآيات الكريمة الآتية تبرهن على صدق ذلك:
«لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم»(سورة البقرة آية 256).
«لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى، ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهباناً، وإنهم لا يستكبرون»(الآية 82 من سورة المائدة).

كما أن القرآن الكريم شهد بأن السيد المسيح لم يولد من زرع بشر، وأن الله نفخ في مريم أمه من روحه تعالى، وغير ذلك من التعابير التي خلاصتها أن السيد المسيح جاء إلى عالمنا بصورة تفوق الطبيعة، فقد جاء في سورة آل عمران ما يأتي: «إذ قالت الملائكة: يا مريم، إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجيهاً في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلا، ومن الصالحين. قالت ربِّ، أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر. قال: كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل»(سورة آل عمران 45 ـ 49).
وقد كتب الرسول العربي الكريم عهداً للنصارى كافة، وهذا العهد خير شاهد على سمو أخلاقه وعدالته، ووثيقة هذا العهد محفوظة في بعض الأديرة حتى اليوم.

السريان والفتح العربي الإسلامي:
كانت عوامل عديدة نفسية واجتماعية وقومية ودينية في سورية البيزنطية، متوفرة لدى السريان، سكان البلاد الأصليين، لاستقبال العرب المسلمين الفاتحين الذين قدموا من الجزيرة العربية. ذلك أن السريان ـ كما ذكرنا سابقاً ـ كانوا ينوؤون تحت نير الحكم البيزنطي في سوريا كما كانوا مضطهدين في بلاد فارس. إذ حاول الفرس إخضاعهم لقبول الدين المجوسي مستخدمين لهذه الغاية كل أساليب العنف وسفك الدماء، كما أثقلوا على كاهلهم الضرائب الباهظة. أما السبب الظاهري لإثارة البيزنطيين الاضطهاد العنيف على السريان فهو لرفض السريان قبول قرارات مجمع خلقيدونية (451م). وإن من وراء ذلك قمع الأفكار التحررية والوعي القومي الذي دبّ في صفوف السريان للتخلص من نير المستعمر البيزنطي الذي سلب سورية خيراتها الطبيعية، وخاصة حنطتها. فلا عجب من أن يتولد النفور في قلوب السريان نتيجة ظلم البيزنطيين إياهم، وأن يرحب السريان بقدوم العرب المسلمين الفاتحين، واستقبالهم كمحررين للبلاد، خاصة وأنّ عدداً كبيراً من القبائل العربية في العراق وسورية كانت دينياً سريانية أرثوذكسية، ورأت هذه القبائل وجوب تأييد العرب المسلمين الذين يمتون إليها بصلة الدم واللغة والتراث والحضارة. لذلك انضمّ أغلبها إلى الجيش العربي المسلم الفاتح تحت إمرة المثنى بن حارثة، وخاصة قبائل بني تغلب وعقيل وتنوخ وربيعة الضاربة في شمال العراق وغربه، وحاربت جنباً إلى جنب مع العرب المسلمين. وتمّ القضاء على دولة الفرس في سنة 651م حينما فرَّ (يزدجرد) آخر ملوكهم إلى ما وراء حدود بلاده. ويذكر التاريخ أن غلاماً مسيحياً سريانياً من بني تغلب قتل المرزبان مهران القائد الفارسي، واستولى على فرسه، وأنشد قائلاً: أنا الغلام التغلبي، أنا قتلت المرزبان. وسارت جيوش الفاتحين إلى سورية البيزنطية، فدخلت دمشق عام 634م، ثم دخلت بيت المقدس سنة 637م، وأغارت على مصر سنة 638م، فاستولت على الإسكندرية، ورحّب بها الأقباط، كما كان الشعب السرياني قد استقبلها بابتهاج عند دخولها سورية.

السريان في ظل الحكم الإسلامي:
بعد أن حارب السريان جنباً إلى جنب مع العرب المسلمين مع المحافظة على نصرانيتهم فحرروا البلاد من المستعمرين، شاركوا في توطيد أركان الدولة الجديدة، ويشهد التاريخ بإنتاجهم الخلاق في جميع ميادين الفكر والحضارة.

جاء في كتاب «عصر السريان الذهبي» ما يأتي:
احتظى السريان بالثـقة والاحترام عند الخلفاء الراشدين (632 ـ 661م) والخلفاء الأمويين (662 ـ 746م) والعباسيين (750 ـ 1258م). وأول من نال القربى لديهم حين الفتح العربي هو منصور بن يوحنا السرياني، الذي أصبح وزيراً للمالية في عهد الخلفاء الراشدين. أما ابنه سرجون وحفيده يوحنا المشهور بالقديس يوحنا الدمشقي (749م) فقد تولّيا ديوان الأعمال والجبايات في عهد الخلفاء الأمويين.

معاملة الخلفاء العرب المسلمين للسريان وسائر المسيحيين:
كان للسريان مكانة مرموقة لدى الخلفاء الراشدين ثم الخلفاء الأمويين الذين استخدموا العديد من السريان في الدواوين، وابتدأت على عهدهم النهضة العلمية العربية، التي ساهم بها علماء السريان وكتّابهم، وترجموا علومهم وعلوم اليونان إلى العربية، ونالوا مراكز عالية في الإدارة، وشغلوا وظائف مرموقة...

فالخليفة عبد الملك بن مروان (685 ـ 705م) ولّى أثناسيوس برجوميا السرياني الرهاوي الإدارة المالية في القطر المصري، فأحسن هذا التصرف في الوظيفة، وكان عهده عهد بركة وإقبال على الدولة الأموية.

وكتب مروان الخليفة (744 ـ 750م) فرماناً سنة 746 للبطريرك إيونيس الرابع (740 ـ 755م) يخوّله بموجبه الولاية على جميع الشؤون البيعية، وهو أول فرمان من نوعه يعطى للبطريرك السرياني، ومنذ ذلك الحين سرت تلك العادة. ومن الأمور المهمّة في هذا العصر، نقل الإنجيل المقدس من السريانية إلى العربية على يد البطريرك يوحنا أبي السدرات (+648) بناءً على طلب الأمير عمير بن سعد بن أبي وقاص، أمير الجزيرة، الذي اشترط على البطريرك أن يستثني من الترجمة ما يختص بلاهوت المسيح، وصلبه، والمعمودية، فأجابه البطريرك ببساطة: معاذ الله أن أحذف أو أزيد حرفاً واحداً من الإنجيل المقدس ولو صوّبت نحوي كل حراب جيوشك وأسنّتها. فأعجب الأمير من بسالته، وفوّضه بالترجمة كما يريد، فجمع عدداً من الأساقفة واستحضر علماء بكلتا اللغتين السريانية والعربية من بني تنوخ وعقيل وطي، وترجموا الإنجيل المقدس إلى العربية بإشرافه، فقدّمه بدوره إلى الأمير.

وفي عهد الخلفاء الأمويين ذاع صيت الأخطل الشاعر العربي المشهور، وهو تغلبي من أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، ولد ونشأ في الجزيرة الواقعة في الجزء الأعلى من وادي دجلة والفرات بين العراق والشام، ونال حظوة لدى الخلفاء الأمويين، حتى أن الخليفة عبد الملك بن مروان (685 ـ 705م) لدى سماعه قصيدة «خفّ القطين» التي يمدحه الأخطل فيها قال له: «ويحك يا أخطل، أتريد أن أكتب إلى الآفاق أنّك أشعر العرب»، قال: «أكتفي بقول أمير المؤمنين».

أما في عهد الخلفاء العباسيين، فقد ازدهرت الترجمة وقام للسريان علماء أفذاذ، ومترجمون بارعون، وأطباء ماهرون، واشتهر في عهد الخليفة هارون الرشيد (766 ـ 809م) يوحنا ابن ماسويه، العالم السرياني الذي ولاه هارون الرشيد ترجمة الكتب القديمة، وكان ذا مركز مرموق في عهده وعهد خلفائه إلى أيام المتوكل.

وهكذا قام السريان بنقل علوم اليونان إلى السريانية فالعربية، وأسسوا المدارس العالية لتكون منارات لشتى العلوم والآداب، ونمت العلوم نموّاً عظيماً على عهد العباسيين.

كما ساهم السريان في خدمة الدولة وقاموا بما كلّفوا به من الشؤون الإدارية، من ذلك ،أنّ البطريرك ديونيسيوس التلمحري (+ 845) نهض بمهمة سياسية، انتدبه إليها المأمون الخليفة العباسي (813 ـ 833م)، فذهب إلى مصر للتعاون مع الخليفة والبطريرك الإسكندري يوساب لإخماد ثورة المسيحيين القاطنين في القسم السفلي من النيل.

ومن السريان الذين خدموا الخلفاء العباسيين أيضاً واتّصفوا بسموّ الأخلاق والتحلّي بالفضائل المسيحية وخاصة الصدقُ والاستقامةُ والأمانة، الطبيب الشهير أمين الدولة أبو كرم صاعد ابن توما البغدادي، الذي قرّبه إليه الخليفة الناصر (1180 ـ 1225م) وأمّنه على جميع أسرار دولته وأفراد عائلته، كلفته أمانته حياته فقد اغتاله بعض المجرمين لإخلاصه للخليفة.

وضعفت الكنيسة السريانية وسائر الكنائس المسيحية بعدما سقطت بغداد بيد المغول سنة 1258م، قال البروفسور بولفكان هاجه الألماني في محاضرة له عن تاريخ السريان: «إن الكنيسة السريانية ضعفت كسائر الكنائس المسيحية في الشرق الأوسط في نهاية القرن الثالث عشر بعدما استولى المغول على تلك البلاد وأسلموا، ولم يكونوا عادلين كالمسلمين العرب. فقلّ عدد المسيحيين هناك من جرّاء ظلم القائد المغولي تيمورلنك (أو تيمور الأعرج) (1336ـ 1405م) الذي استولى على سوريا وبلاد ما بين النهرين، ودمر بغداد سنة 1393، وعادى المسيحية، وأرغم السريان وسائر المسيحيين على اعتناق الإسلام واضطهد الذين لم يفعلوا ذلك، فاستشهد على يده أغلبية هؤلاء، وتبع ذلك أوبئة متنوعة، ولم يبق من المسيحيين إلا عشرة بالمائة». فهذه الحقيقة التاريخية التي ذكرها البروفسور المذكور تكشف لنا النقاب عمّا عاناه شعبنا في تلك الحقبة التاريخية على يد قائد مسلم غير عربي، الذي لم يراع العهود التي أعطيت للمسيحيين من الرسول العربي الكريم والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين لحمايتهم وصيانة حقوقهم، بل هدر دمهم، وهدم كنائسهم وأديرتهم، ومدارسهم، فضاع أغلب مخطوطاتها الثمينة، وهذا يعد خسارة فادحة للحضارة الإنسانية العالمية كافة. وفي أوائل القرن الخامس عشر استولى العثمانيون على قسم كبير من آسيا الصغرى، وفي نصف القرن الخامس عشر سقطت المملكة البيزنطية بسقوط القسطنطينية بيد العثمانيين سنة 1453م.

في رحلتنا السريعة الخاطفة، عبر العصور، توقفنا عند محطات تاريخية، رأينا من المفيد التوقف عندها، وترجمنا باختصار لبعض الشخصيات المهمة الدينية والعلمية والسياسية، محاولين كشف النقاب عن السر المكنون من معاناة الكنيسة السريانية عبر العصور وتضاؤل عدد أتباعها، وهي تكافح في سبيل الحفاظ على كيانها وتراثها وإيمانها. فبعد أن خرجت من الصراع الديني مع السلطة البيزنطية متعبة منهكة، وتنفّست الصُّعَدَاء لظهور الإسلام، تعاونت مع المسلمين العرب، إبان الحرب، وزمن السلم. رأينا أن علاقتها مع الولاة غير العرب كانت بين مدّ وجزر.
ولا بدّ لنا من أن نذكر ههنا ما عانته الكنيسة السريانية من العثمانيين عام 1895، وخاصة في الأعوام 1915 ـ 1921 من مآسٍٍ، وما قدمته من آلاف الشهداء الأبرياء، وتشريد الآلاف في طول البلاد وعرضها، في الوقت الذي كانت الكنيسة ـ وما تزال ـ مخلصة لأرض أجدادها، خاضعة للسلطة المدنية، وقد رفضت الكنيسة السريانية ـ عبر العصور ـ حماية دول أجنبية لإيمانها بأن الله هو الذي يحميها، ولإخلاصها لوطنها.

ويسرنا أن نختم كلامنا هذا بعبارات نوجز فيها ما نستخلصه من دراستنا لهذا الموضوع.
فإذا كان بعضهم قد عرّف التاريخ بأنه جملة الأحداث والأحوال التي يمر بها كائن ما، ويطلق هذا على الفرد والمجتمع والظواهر الطبيعية ونموها، نضيف نحن قائلين: إن التاريخ علم يُعنى بتسجيل ماضي الكائنات والمجتمعات، والغاية الفضلى من دراسته هي أن نقيمه معلماً صالحاً لأخذ العِبر والدروس النفيسة من الماضي والانتفاع منها في الحاضر والمستقبل، خاصةً ما يخصُّ الوطن. فعندما ندرس تاريخنا ونرى كما ذكرنا أن بلادنا قد استُعمرت في الماضي من الرومان والبيزنطيين والتتر، بمن فيهم هولاكو وتيمورلنك أي تيمور الأعرج ثم من العثمانيين وغيرهم، وفي كل حقبة من حقب هذا الاستعمار كادت حضارتنا تتلاشى ولغتنا تُمحى، ولكن بتضامننا وتعاوننا جميعاً وبتوطيد وحدتنا الوطنية تمكّنا أن نجعل من بلادنا صخرة صلدة تحطّمت عليها كل تلك المحاولات الشرسة لطمس معالمنا وتشويه تاريخنا.

فعندما نعيد دراسة تاريخ آبائنا وأجدادنا علينا أن نتجنّب ما ارتكبوا من أخطاء، استفاد منها المستعمِر في تفرقة صفوفنا وأن نقتدي بحكمتهم وجعل هذه الصفوف كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، ونسير وراء حكمائنا وقادتنا الأفذاذ.

ونأمل أن تقوى في بلادنا العزيزة محبة بعضنا لبعض مسيحيين كنا أو مسلمين، ومحبة وطننا العزيز والذود عن حياضه.

وفي عصرنا الحاضر نتطلّع إلى المغفور له القائد الخالد حافظ الأسد الذي يعود إليه الفضل في توطيد أركان الوحدة الوطنية في سورية الحبيبة، والتي يسير بها سيادة الرئيس الشجاع الدكتور بشار الأسد لتبقى راية النصر مرفرفة في سماء بلادنا، ولتبقى الوحدة الوطنية مثالاً يحتذى لجميع الشعوب.