الأربعاء, 24 تموز 2019    |     الرئيسية    اتصل بنا
لمتابعة أحدث الأخبار، يمكنكم زيارة موقعنا باللغة الإنكليزية: /syriacpatriarchate.org/category/news               زوارنا الأعزاء يمكنكم أيضاً متابعة أخبارنا وزيارتنا والتواصل معنا عبر الفيس بوك من خلال العنوان التالي Syrian Orthodox Patriarchate               والصفحة المخصصة لقداسة سيدنا البطريرك على العنوان التالي: His Holiness Patriarch Moran Mor Ignatius Aphrem II               يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني التالي: (malkhori4@gmail.com)               لمن يرغب بالاطلاع على أعمال هيئة مار أفرام السرياني البطريركية للتنمية يرجى زيارة صفحة الهيئة على الفيس بوك من خلال العنوان التالي St. Ephrem Patriarchal Development Committee              
الرئيسية > بحوث و دراسات > دراسات رعوية > آباء وأبناء نحو تربية مسيحية مثلى
آباء وأبناء نحو تربية مسيحية مثلى
بقلم السيدة حياة حنا

إن للوالدين أثراً بالغاً في التربية الدينية سواء قاموا بها مباشرة أو لم يقوموا، إنهم شاؤوا أم أبوا يرسمون في نفس الطفل صورة عن اللّه سواء أحدثوه عنه أم لم يحدثوه، ونظراً لعمق الأثر المبكر الذي يتركه الوالدان في وجدان الطفل، من هنا لا بدّ للتربية الدينية اللاحقة أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الأثر لكي تتحاشى مغبة الوصول إلى عكس ما تبتغيه.

فكيف يمكن إذاً للعائلة أن تهيّئ لدى الطفل أفضل البنى النفسية على قبول ربنا ومخلصنا يسوع المسيح في العمق دون زيف أو تشويه، حيث أن ما يسمعه الطفل عن يسوع لا يسجل على ما يشبه الورقة البيضاء، إنما يتفاعل مع الإنسان الحي وما يحمله هذا الإنسان من بنى نفسية. فقد تتناغم هذه البنى معه مفسحة المجال أمام تسربه إلى أعماق النفس وانطباع الكيان به في الصميم، أو بالعكس تثير العوائق في وجهه بحيث يصبح قبوله أمراً عسيراً. ومن هنا أهمية ما يسمى اليوم بالتمهيد للتربية الدينية، فكما أن مهمة يوحنا المعمدان كانت أ ن «يعد طريق الرب ويجعل سبله مستقيمة» (مت 3: 3)، كذلك ينبغي إعداد البنى النفسية بحيث تصبح أكثر مطواعية للتربية المسيحية مما يساعدها في تنشئة اعتقاد وإيمان مستقيم بل وخبرة معاشة تحرك الكيان كله وتعمده بالنور. هذه البنى النفسية تتكون خطوطها العريضة في الست أو السبع سنوات الأولى من الحياة، وذلك من خلال التفاعل بين عملية النمو البيولوجي عند الطفل من جهة، وتأثير ما يتلقاه من محيطه وبخاصة المحيط العائلي الذي يرتبط به الطفل في هذه الفترة من عمره ارتباطاً بالغ العمق والأهمية من جهة أخرى. فمن خلال العلاقات المبكرة التي تتكون بين الطفل ووالديه، يبني الطفل شخصيته بكامل أبعادها ويحدد أنماط علاقاته سوية فإن كلا الوالدين يؤمن له شروط الحماية والأمان ولكنه يفسح المجال له ليشق طريقه بنفسه ويقوم باختباراته الشخصية بقدر نمو إمكانياته. أما إذا افتقد عنصر القرب والاتصال بما يعينه من دفء وعطف وأمان وحماية وعطاء، هذا الفقدان يتسبب في إيقاظ شعور بعدم الثقة بالذات وبالحياة وباللّه، وبهذا الصدد استشهد احدهم بهذه العبارة لفتاة في العشرين من العمر تخلى عنها والدها في طفولتها: «لا أستطيع أن أؤمن بأن اللّه يحبني أو بأن أحداً ما يحبنى لأنني لم أُحب فقط» كما أن فتاة أخرى قد عانت من حرمان بالغ من العطف الوالدي صرّحت رغم كونها فتاة مؤمنة أنه عندما يقال إن اللّه خلق العالم حباً فهي لا تؤمن بذلك. وقد يرافق مثل هذا الشعور عدم قبول الذات وعدم الثقة بالحياة ورفض عنيف للّه حيث ينظر إليه كمسؤول عن كون شرير، أو أنه المسؤول عن متاعب الأبناء، أما إذا فقد بعد التمايز والانفصال بما يتطلبه من سلطة ضرورية يمارسها الوالدان على ولدهما مع محافظتهما على استقلاليته وحدوده، وتبعية مفرطة تحول دون تعهده لنفسه كذات متميزة، وكثيراً ما يطالب الأهل بتوجيهات تعطى لهم في ما ينبغي أن يتصرفوا حرصاً على سلامة العلاقة بينهم وبين أبنائهم.

إن تحديد نوعية العلاقة بين الآباء والبنين إنما يعود إلى شخصية الآباء وكيانهم العميق أكثر بكثير مما يعود إلى ما يقولونه ويفعلونه، لذا من أجل تأمين أفضل الشروط النفسية لنمو روحي سليم ينبغي أن تتوفر في الأهل الصفتان التاليتان:

ـ النضج الانفعالي: وهذا يعني أن يكون قد بلغ المرء مرحلة الرشد لا على صعيد العمر أو النمو البيولوجي أو حتى القدرة العقلية فحسب بل على صعيد الحياة الانفعالية أيضاً بما تحتويه من مشاعر وميول كالمقدرة على تخطي مركزية الأنا لمواجهة الآخر في فرادته والاعتراف به في استقلاليته، وإقامة علاقة أصيلة معه يتوازن فيها التمايز والاندماج، الأخذ والعطاء، ومنها وعي للقيمة والقدرات الذاتية يوازيه شعور بالحدود الموضوعية للذات ومنها قبول المرء لجنسه الخاص كالذكر أو الأنثى والارتياح العميق له. هذه الصفات إن توافرت في الوالدين تمكنهم من إقامة علاقة عفوية أصيلة بأولادهم دون أن يسحقوهم ويوفقون في موقفهم منهم بين القرب والابتعاد، بين الحضور والتواري في علاقة لا ذوبان فيها تعترف بالآخر وليس كامتداد للذات. هذا النضج الإنفعالي يجنب الأهل فخ التسلط لأنها نابعة من شخصية واثقة بنفسها لا تحتاج إلى طمأنة ذاتها بتحكم الآخر أو بمحاولة التعويض من خلاله عن إحباطات غير مقبولة لديها بل تجد فرحها في إنماء الآخر. تمده بما تتمتع به من حرية وانشراح وتدفعه في طريق مستمر لبناء الذات يمكنه شيئاً فشيئاً الاستغناء عن سلطتها.

ـ الانسجام الزوجي: ليس المقصود منه حالة من الاتفاق التام بحيث تنفي كل توتر وخلاف إنما هو تناغم بين الزوجين يسمح بتخطي الأزمات وبالاستفادة من الخلافات نفسها في سبيل بناء متواصل لوحدة ديناميكية تغتني بالتجارب وتتعمق بها. وهذا التناغم العميق الذي يدرك الطفل وجوده بحدسه رغم الظواهر المضادة، كما أنه بالعكس يحس بالتفكك العميق بين والديه رغم تجنبهما المتعمد لمظاهره، هذا التناغم العميق يساعد الولد، الطفل أن يحيا بعفوية لأنهما يشعران به على أنه ثمرة اتحاد ناجح وسعيد بينهما كما أنه يحول دون استخدام الولد كميدان وهدف لصراع خفي أو معلن بينهما مما يمزقه ويحرمه من الاستقرار والطمأنينة اللذين هو بأمس الحاجة إليهما من أجل نمو سوي. ومن جهة أخرى فالانسجام بين الوالدين إنما هو بالنسبة لكل منهما مصدر انشراح شخصي عميق يؤكد نضجهما واستقلالهما ويغنيهما بالتالي عن محاولة سحق ولدهما تحت وطأة حب استيلائي تعويضي «وهذا ما يحدث خاصة للأم إذا كانت غير راضية عن حياتها الزوجية».
وإذا كانت تلك الشروط النفسية التي ينبغي أن تتحقق لدى الوالدين من اجل تأمين سلامة علاقة الطفل بوالديه وبالتالي توفير أفضل الشروط النفسية لنمو ديني سليم فهل هي محققة يا ترى؟
يقول سهيل إدريس في كتابه «الخندق العميق» إن العلاقة بين الآباء والأبناء في العائلة العربية تتسم غالباً بظاهرتين هما السلطوية من جهة والحماية المفرطة من جهة أخرى يمارسها الوالدان على أولادهما فينتج عنهما اضطراب خطير في العلاقة بين الطرفين. فما هي الأسباب التي تكمن وراء السلطوية والإفراط في الحماية اللذين يطبعان غالباً علاقة الآباء بالبنين في بيئتنا؟
ـ التربية التي تلقاها الوالدان في طفولتهما سواء في العائلة أو المدرسة.
ـ الشروط الاجتماعية والحضارية السائدة في بيئتنا والضغوطات وأنواع القهر والقمع على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي حيث تقولبوا بشكل سلبي وفق نظام مفروض ومعلومات تُحشى حشواً في أذهانهم، تلك التربية حرمت الكثيرين من مقومات الانشراح والحرية اللذين لا يحصل نضج حقيقي بدونهما. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المرأة تتحمل القسط الأكبر من الاستلاب الذي يعاني منه الإنسان عامة في مجتمعنا ذلك أن التقييم المفرط للذكورة في هذا المجتمع الأبوي يسحق المرأة مخضعاً إياها لتبعية ثقيلة تحول دون نضجها إذ تحكم عليها بأن تبقى قاصرة ومن جهة أخرى فالمجتمع لا يعترف بها ولا يحترمها إلا من حيث هي أما وبالتالي يدفعها إلى السعي إلى تحقيق ذاتها بشكل حصري في مجال الأمومة مما يشجع قيام علاقة خانقة بينها وبين طفلها «الطفل الذكر على وجه الخصوص» فالأمومة في الشرق قوية جداً وإذا كان الرجل يمتلك المرأة في علاقة السيطرة والتبعية فإنها تجد لنفسها تعويضاً عن ذلك في امتلاك الأطفال. فمن خلال تضخيم قيمة الأمومة تتضخم قيمة الطفل ولكن كشيء تمتلكه الأم أساساً كجزء من كيانها وهكذا نصل إلى العلاقة التملكية ويدفع الطفل في النهاية ثمن تعويض المرأة عن الغبن الذي يلحقه بها المجتمع لذلك فمن النادر أن يستقل الصبي عن أمه نفسياً في المجتمع المتخلف مهما كبر فسيظل مرتبطاً بروابط خفيفة بالأم.
ـ غياب التربية الجنسية السليمة، غياب الاختلاط بين الجنسين في الحياة المدرسية أو الاجتماعية التي توفر شروط اللقاء والتعارف المتبادل بين أفراد الجنسين وكثرة الزيجات المبنية على اعتبارات مادية واجتماعية أو عائلية، التعظيم المفرط للذكورة الذي يحول دون قيام تبادل وتداخل حقيقيين في الحياة الزوجية ويغذي فيها عناصر الصراع الخفي والمعلن.
ـ الخلط الشائع بين السلطة الأبوية والسلطة الإلهية توحي به وتغذيه عبارات يكثر تردادها مثل «رضى اللّه من رضى الوالدين» هذا نوع من الخلط يتجسد أيضاً في الممارسة التربوية اليومية ضمن عائلاتنا فكم نسمع «إذا لم تأكل من هذا النوع من الطعام سيغضب منك الله، أو إذا استمريت بالضجيج سيعاقبك اللّه، إذا لم تقل الحقيقة سيخنقك اللّه» وإذا خالف الولد هذه التحذيرات وأصيب بسوء إذ بتعابير الشماتة تنهال عليه متخذة من اللّه ذريعة ومحاولة إقناع الولد بأن ما أصابه من سوء إنما هو عقاب من اللّه على مخالفة أوامره، وكأن اللّه يستخدم وكأنه شرطي ذو قدرة خارقة مسخر لخدمة أغراض الأهل التربوية وذلك دون مبرر سوى إرضاء سلطوية الأهل أو قلقهم المفرط أو حاجتهم إلى الهدوء. إن هذا الاستناد إلى اللّه لتبرير الحماية المفرطة التي يمارسها الأهل أو تسلطهم، من شأنه أن يزيد الأمر خطورة، مع ما يلحقه من سلبيات على الصعيدين الإنساني والديني، ومن جهة أخرى فإن صورة اللّه على هذا النمط القمعي تعارض رغبة الولد العفوية في النمو وحاجته إلى تأكيد استقلاليته.
والآن كيف العمل للمساعدة على تأمين شروط تربية عائلية أفضل مع ما تعنيه من انعكاسات إيجابية على الصعيد الديني؟
فتح المجال أمام الوالدين لاكتساب مستوى أفضل من النضج من خلال: أحاديث نفسية تربوية ـ استشارات حرة مفتوحة للأهل ـ اجتماعات دورية للأهل على شكل مجموعات يناقشون فيها ما يواجهونه من مشاكل في علاقاتهم مع أولادهم بحضور أحد الاختصاصيين. لمثل هذه الاجتماعات إيجابيات كبيرة منها مقارنة وجهات النظر ومواقف أخرى عند عائلات أخرى وبذلك يسهل على كل واحد ملاحظة أخطائه ويساعد الأهل على إجراء هذا النقد الذاتي وإعادة النظر في مواقفهم، بالإضافة إلى المؤازرة والدعم من الفريق المساعد والوصول إلى حلول يستفيد مها الجميع. أضف إلى ذلك أن المشاركين في مثل فرق العمل يتمرسون على الإصغاء والحوار اللذين هما من عوامل النضج ولا بدّ من أن ينعكس ذلك على علاقاتهم بأولادهم. إن وسائل التوعية الوالدية من أحاديث واستشارات واجتماعات فرق عمل هي من مقومات مؤسسة حديثة منتشرة في العديد من البلاد المتقدمة وتدعى مدارس الأهل. وأتمنى لو أن الكنائس في منطقتنا تأخذ هي نفسها المبادرة في إنشاء مثل هذه المؤسسات وفتحها أمام الجميع. ذلك أن كل ما يساعد الإنسان على الانطلاق والتحرر وتحقيق كافة أبعاد إنسانيته من شأنه أن يوفر حظاً أكبر بعلاقة أسلم وأنضج بين الوالدين وأولادهم. وإذا كان النقص في الانسجام الزوجي عاملاً من عوامل اضطراب علاقة الوالدين بأولادهم وجب بالتالي القيام بالأمور التالية:
ـ تشجيع قيام تربية جنسية حقيقية سواء في العائلة أو المدرسة والمقصود ليس مجرد تقديم معلومات تشريحية وفيزيولوجية، إنما مساعدة الولد ثم المراهق والشاب على اكتشاف وتعهد سائر أبعاد الجنس بما فيه بعده العلائقي الأساسي، مما يجعل التربية الجنسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتربية بمعناها العام.
ـ تشجيع لقاء الجنسين وتعارفهما في جو من البساطة والعفوية والاحترام المتبادل والعمل المشترك البناء مما يساعد على اكتساب قسط أكبر من النضج الانفعالي ويضع أساس الانسجام الزوجي للمستقبل.
ـ إيجاد مراكز للإعداد الزوجي تجمع أزواج الخاطبين الذين لا يكتفون بتلقي معلومات عن سائر أبعاد الزواج البيولوجي، النفسي، الاجتماعي، والروحي، بل يناقشونها فيما بينهم بحضور ومشاركة اختصاصيين.
ـ تنظيم الإرشاد الزوجي المتخصص الذي يقدم عند الاقتضاء مساعدة للمتزوجين تسمح بمواجهة أفضل للصعوبات والأزمات والمشاكل التي تعترض الحياة الزوجية وأخيراً أن نكافح باسم الإنجيل التصورات التي تضفي على السلطة الأبوية طابع القدسية فتلحق الأذى إما بالأصالة الدينية أو بالنمو الإنساني.
صحيح أن يسوع أكد على واجب إكرام الوالدين (مت 15: 3ـ7، مت 19: 17ـ19) ولكنه نقض بصراحة الأحكام المطلقة في العلاقات الوالدية وهذا ما يبدو منذ حادث افتراق يسوع عن أبويه عندما كان له من العمر اثنا عشر عاماً ووجوده بالهيكل بعد أن فتش ابواه عنه (لو 2: 41ـ51) هنا نرى يسوع في فترة المراهقة يتصرف مع أبويه بحرية تسمح له كما قال J. Guillet أن يضعهما أمام قرار غريب عن إرادتهما مع استمراره في اعتبارهما أبويه إذ يقبل بالعودة إلى الناصرة حيث كان من جديد خاضعاً لهما (لو 2: 51) وعندما بدأ يسوع بشارته لم يتنكر للروابط العائلية التي كانت بالغة الأهمية في المجتمع الأبوي العشائري الذي كان ينتمي إليه، ولم يحتقر تلك الروابط، ولكنه لم يتورع عن إعلان صفتها النسبية وذلك من خلال جوابه الصارم لذلك الذي طلب منه أن يسمح له قبل أن يتبعه أن يذهب ويدفن أباه أولاً إذ قال اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم (مت 8: 22)، مع أن يسوع يعترف بقيمة الأبوة البشرية ويعتبرها صورة للأبوة الإلهية في عبارته «من منكم إذا سأله ابنه رغيفاً أعطاه حجراً وإذا سأله سمكة أعطاه حية، فإن كنتم أنتم الأشرار تحسنون العطاء لأبنائكم فما أحرى أباكم الذي في السموات بأن يحسن العطاء للذين يسألونه» (مت 7: 9ـ11)، ولكن الأبوة البشرية هي بنظره مجرد صورة بمعنى أنها وإن شاركت في مصدرها الإلهي فلا يمكن الخلط بينها وبينه، من هنا تنبيه يسوع «لا تدعوا أحداً أباكم في الأرض لأن لكم أباً واحداً هو الآب السماوي» (مت 23: 9)، وهذا يعني أن الآب المطلق الوحيد هو اللّه وأن الآباء الجسديين هم آباء بالمساهمة ليس إلا، وأن أبوتهم لا تحقق أصالتها إلا بمقدار مساهمتها في الأبوة الإلهية ولكن هذه لم تنكشف لنا تماماً إلا في المسيح فبه وقد صار أخاً لنا حتى موت الصليب. تجلت أبوة اللّه على أنها (تضحوية) أي تقبّل كلي وعطاء لا تحفّظ فيه، فالأبوة الجسدية عوضاً عن أن تهب الحياة باندفاع سخي لا رجعة فيه تحاول استعادتها لصالح الوالدين، والسلطة حسب الإنجيل لا غاية لها سوى الخدمة «من أراد أن يكون كبيراً فيكم فليكن لكم خادماً. هكذا ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدم ويفدي بنفسه جماعة كبيرة» (مت 20: 26ـ28)، وهذا يصح بالنسبة للعائلة فيقول بولس الرسول: «كما أن الرجل رأس المرأة كذلك المسيح رأس الكنيسة ويبذل نفسه عنها» (أف 5: 22ـ29)، فالسلطة هنا حسب المسيح هي سلطة تضحوية والأمانة للرسالة المسيحية تقتضي التذكر بأن السلطة الوالدية ليست غاية بحد ذاتها، وإنما غايتها أن تؤمن للطفل أفضل الشروط لنمو يسمح له بتحقيق ذاته ضمن علاقة أصلية مع الآخرين يغتني بها ويغني، وبممارسة استقلاليته الذاتية مع مشاركة خلاقة في حياة الجماعة، وبالمقابل فالطاعة ليست هدفاً بحد ذاتها ولا يمكن تبريرها إلا في إطار الاحترام المتبادل بين المطيع والمطاع وخضوعهما المشترك للحق، لذا كان الرسول يوصي البنين بأن يطيعوا والديهم بالرب (أف 6: 1) فإنه بالمقابل يوصي هؤلاء بأن يتجنبوا كل سلطوية خانقة ترتد على هدف التربية وتحكم عليه بالفشل: «وأنتم أيها الآباء لا تغيظوا أبناءكم لئلا تضعف عزيمتهم» (كو 3: 21) فلا يتورع الأهل عن الإقرار أمام أولادهم بحدودهم وأخطائهم بل يقفون وأولادهم أمام اللّه تعالى الإله الواحد الذي يتساوى تجاهه الآباء والبنون، إذ كل من هؤلاء صغير وخاطئ أمامه وكلّ منهم مشمول بالرحمة التي لا تحد، إن موقفاً كهذا إذا وقفه الوالدان يحرر الولد ويسمح له بأن يختبر بشكل حاسم العلاقة الأصيلة باللّه.

خلاصة القول.. إن الأسرة تضع من خلال علاقة الطفل بوالديه الأسس العميقة التي لا بدّ أن ترتكز عليها كل تربية مسيحية، وذلك بأن يشعر الطفل بأنه مقبول عميقاً من والديه وأنه ينعم بالعطف والمحبة والحماية والأمان والتقييم في كنف أبوين متحابين، متحدين ويشعر بآن معاً بأنه معترف به كذات مستقلة والمجال مفتوح أمامه ليشق طريقه الخاص ويمارس حرية متزايدة ويؤكد كيانه الفريد وينمي قدراته ويضطلع بالمسؤوليات ويأخذ المبادرات، يتمرّس على الخلق والابتكار دون أن يردعه قيد خانق، عاطفياً كان أو سلطوياً، يكبله بوالديه، أن يشعر بأن سلطة الوالدين التي لا بدّ منها لنموه السليم وإشاعة الطمأنينة في نفسه، إنما هي مسخرة لخدمة هذا النمو وليست سلاحاً مسلطاً عليه لقمعه واحتوائه لصالح نرجسية الأهل وخوفهم من الحياة، وإن الإله الذي يتخذه الوالدان أساساً ومرجعاً للوجود ليس إلا الذريعة المطلقة لتثبيت سلطويتهما وتبريرها، وإنما هو ذاك الذي تصبح أمامه كل سلطة وكل أبوة نسبيتين، ذاك الذي يتساوى أمام تعاليه الآباء والأبناء في دعوة واحدة إلى تجاوز ذواتهم بلا انقطاع، محركين بمحبته المحيية الخلاقة، مشمولين برحمته الغنية العظمى.

إن توفير مثل هذا النمط من العلاقات بين الوالدين وأولادهم يتطلب اليقظة الدائمة والاهتداء المستمر، النضج الانفعالي، الانسجام العميق بين الزوجين، رؤية مسيحية واضحة لمعاني الأبوة والسلطة. ومسؤولية الكنيسة كبيرة في مساعدة الوالدين لاكتساب هذا النضج والانسجام وهذه الرؤية من أجل تحقيق تربية مسيحية مثلى.